أخبارتعمير

أراضي الجماعات السلالية.. إصلاح تشريعي غير مسبوق يضعها في صلب الدينامية التنموية

الرباط:استثمار

 

تتوخى المستجدات القانونية الجديدة التي تضمنتها مشاريع القوانين الثلاثة المتعلقة بإصلاح الإطار القانوني الخاص بالأراضي المملوكة للجماعات السلالية، تأهيل وتثمين هذا الرصيد العقاري الهام، وجعله في صلب دينامية التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وآلية لإدماج ذوي الحقوق، في إطار مبادئ الحق والإنصاف والعدالة الاجتماعية.

وتكمن أهمية هذه المشاريع، التي تم عرضها الأسبوع المنصرم أمام لجنة الداخلية والجماعات الترابية والسكنى وسياسة المدينة بمجلس النواب، في كونها تفتح إمكانية تفويت الأراضي الجماعية للفاعلين الاقتصاديين الخواص، إلى جانب الفاعلين العموميين، لإنجاز مشاريع استثمارية، مما سيمكن من إدماج الرصيد العقاري الجماعي في جهود تنمية المملكة، مع إعادة النظر في كيفية كراء العقارات الجماعية، من أجل الاستثمار خاصة في المجال الفلاحي، وتحديد مدة الكراء حسب نوعية المشاريع الاستثمارية.

ويتماشى هذا الإصلاح مع دعوة صاحب الجلالة الملك محمد السادس، في خطابه بمناسبة افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الثالثة من الولاية التشريعية العاشرة، إلى تعزيز المكاسب المحققة في الميدان الفلاحي، وخلق المزيد من فرص الشغل والدخل، خاصة لفائدة الشباب بالوسط القروي، بهدف تشجيع انبثاق وتقوية طبقة وسطى فلاحية، كفيلة بتحقيق توازن وتشكيل رافعة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية.

وكان جلالة الملك قد أكد في هذا الخطاب أن تعبئة الأراضي الفلاحية المملوكة للجماعات السلالية، قصد إنجاز المشاريع الاستثمارية في المجال الفلاحي، لا يمكن إلا أن تشكل رافعة قوية لتحسين المستوى الاقتصادي والاجتماعي لذوي الحقوق على الخصوص، وهو ما يتيح تعبئة مليون هكتار إضافية، على الأقل، من هذه الأراضي.

ويأتي هذا الإصلاح التشريعي لتجاوز العديد من الإكراهات التي تتجلى بالخصوص في طرق استغلال الأراضي السلالية، وتزايد عدد ساكنتها وارتفاع الضغط على مواردها الطبيعية، بالإضافة إلى عدم مسايرة الإطار القانوني للأوضاع المستجدة، وعدم الاستجابة لانتظارات المعنيين بها، وذلك عبر اتخاذ تدابير ملائمة من أجل معالجتها.

ومن المستجدات الجوهرية التي جاء بها هذا الإصلاح، تكريسه لمبدأ المساواة بين المرأة والرجل، أعضاء الجماعة السلالية، في الحقوق والواجبات طبقا لأحكام الدستور.

وفي هذا السياق، تنص المادة السادسة من مشروع القانون رقم 62.17، بشأن الوصاية الإدارية على الجماعات السلالية وتدبير ممتلكاتها، أنه ” يتمتع أعضاء الجماعات السلالية، ذكورا وإناثا، بالانتفاع بأملاك الجماعة التي ينتمون إليها، وفق التوزيع الذي تقوم به جماعة النواب المشار إليها في المادة 9 من هذا القانون. ولا يخول لهم هذا الانتفاع إلا الاستغلال الشخصي والمباشر للأملاك المذكورة”.

أما المادة التاسعة فجاء فيها ” تختار الجماعة السلالية من بين أعضائها المتمتعين بحقوقهم المدنية، ذكورا وإناثا، نوابا عنها يكونون جماعة النواب من أجل تمثيل الجماعة السلالية أمام المحاكم والإدارات والأغيار والقيام بالتصرفات القانونية التي تهم الجماعة”.

ويتوخى هذا المشروع، الذي سيحل محل الظهير الشريف الصادر بتاريخ 27 أبريل 1919، تحيين المفاهيم والمصطلحات المتعلقة بالجماعات السلالية وأعضائها ونوابها، وتقييد اللجوء إلى العادات والتقاليد في تدبير شؤون الجماعات السلالية واستغلال أراضيها، واعتمادها في الحدود التي لا تتعارض مع النصوص القانونية والتنظيمية الجاري بها العمل.

ويهدف المشروع أيضا إلى تحديد كيفية اختيار نواب الجماعة السلالية والالتزامات التي يتحملونها، وكذا تلك التي يتحملها أعضاء الجماعة والجزاءات المترتبة عن الإخلال بهذه الالتزامات.

وتهم مستجدات المشروع أيضا، إعادة تنظيم الوصاية الإدارية على الجماعات السلالية، عبر إحداث مجالس للوصاية على الصعيد الإقليمي، تتكلف بمواكبة الجماعات السلالية في التدبير العملياتي وحماية الأملاك الجماعية وتصفية وضعيتها القانونية، إلى جانب مجلس الوصاية المركزي الذي يختص أساسا بتحديد المبادئ العامة لتدبير الأراضي الجماعية والبرمجة والتتبع والمراقبة.

وفي إطار الإصلاح القانوني ذاته، يشكل مشروع القانون رقم 63.17 المتعلق بالتحديد الإداري لأراضي الجماعات السلالية، الركن الثاني ضمن المنظومة القانونية التي تؤطر أراضي الجماعات السلالية.

ويروم هذا المشروع، الذي سيحل محل الظهير الشريف الصادر بتاريخ 18 فبراير 1924، إلى تحيين هذا الظهير شكلا ومضمونا بغية تقليص أجل تقديم التعرضات ضد مسطرة التحديد الإداري من ستة إلى ثلاثة أشهر، على غرار الأجل المحدد لتقديم التعرضات في الفصل 5 من الظهير الشريف الصادر بتاريخ 3 يناير 1916، المتعلق بتحديد أملاك الدولة، وكذا سن بعض القواعد المتعلقة بالإجراءات التي يقوم بها المحافظ على الأملاك العقارية بشأن التعرضات على التحديد الإداري، والبت في هذه التعرضات من طرف القضاء.

أما مشروع القانون الثالث رقم 64.17 القاضي بتغيير وتتميم الظهير الشريف 1.69.30 الصادر في 25 يوليوز 1969 المتعلق بأراضي الجماعات السلالية الواقعة داخل دوائر الري، فيروم بالأساس تحديد كيفية تبليغ لائحة ذوي الحقوق بعد حصرها من طرف نواب الجماعة السلالية، باعتبارها نقطة الانطلاق لعملية التمليك.

ويبلغ عدد الجماعات السلالية المعنية بهذا الورش 450 جماعة، فيما تقدر المساحة الإجمالية المعنية بالتمليك 337 ألف و237 هكتارا، منها 213 ألف و565 هكتارا محفظة، أما عدد ذوي الحقوق المرشحين للتمليك فيقدر بـ90 ألفا و185.

ويبقى إصلاح الإطار القانوني الخاص بالأراضي المملوكة للجماعات السلالية أمرا غير مسبوق بالنظر لكونه ينصب على إدخال تعديلات على نصوص قانونية تعود إلى عقود طويلة من الزمن، بغاية مسايرة التطورات، وفي ظل الرغبة الأكيدة في إدماج الرصيد العقاري الجماعي في التنمية الاقتصادية والاجتماعية بالمملكة، وذلك بالنظر إلى حجم مساحة هاته الأراضي التي تناهز حوالي 15 مليون هكتار، وتستفيد منها ساكنة تقدر بحوالي 10 ملايين نسمة، موزعة على خمسة آلاف و43 جماعة سلالية يمثلها ستة آلاف و532 نائبا ونائبة.

وتصنف هذه الأراضي من حيث استعمالها إلى أراضي فلاحية واقعة داخل الدوائر السقوية (337 ألف هكتار)، وأراضي واقعة داخل المدارات الحضرية وشبه الحضرية أو داخل التجمعات السكنية (حوالي مليون هكتار)، وأراضي فلاحية بورية (حوالي 2 مليون هكتار)، وأراضي غابوية (حوالي 65 ألف هكتار)، وأراضي رعوية (حوالي 11 مليون هكتار).

ويندرج إعداد مشاريع القوانين الثلاثة في إطار تفعيل التوجيهات الملكية السامية، واستجابة للتوصيات المنبثقة عن الحوار الوطني حول أراضي الجماعات السلالية، الذي تم تنظيمه تحت الرعاية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس خلال سنة 2014 تحت شعار “الأراضي الجماعية .. من أجل تنمية بشرية مستدامة”، وتم خلاله تشخيص وضعية هذ الأراضي وتقديم عدة توصيات، من بينها إصلاح الإطار القانوني المنظم للجماعات السلالية وتدبير أملاكها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى