
المغرب بين التصنيفات الائتمانية والطموحات الإقليمية: قوة صاعدة أم نموذج تحت الاختبار؟

الرباط: إستثمار
في حوار إعلامي دولي ضمن برنامج The Big Question على قناة Euronews، حرص المدير العام للوكالة المغربية لتنمية الاستثمارات والصادرات (AMDIE)، علي صدقي، على رسم صورة مشرقة للاقتصاد المغربي، مصوراً المملكة كقوة اقتصادية صاعدة في إفريقيا، تحصد الاعترافات الدولية وتتأهب للعب دور الجسر بين أوروبا والقارة الإفريقية. غير أن هذا الخطاب الرسمي، وإن كان يعكس طموحًا مؤسسًا على بعض المؤشرات، يطرح تساؤلات عميقة عند مقارنته بمعطيات واقعية وتوجهات اقتصادات منافسة في إفريقيا مثل مصر، جنوب إفريقيا، ونيجيريا.
صدقي أشار إلى ترقية المغرب إلى تصنيف “BB+” بنظرة مستقبلية إيجابية من قبل وكالة S&P Global Ratings، وهو تطور يعكس، نظرياً، تحسنًا في مناخ الاستثمار واستقرار التوازنات الماكرو-اقتصادية. غير أن هذا التصنيف يبقى دون العتبة الاستثمارية، ما يعني أن المستثمرين الدوليين ما زالوا يتعاملون مع الاقتصاد المغربي كاقتصاد “ذو مخاطرة محسوبة”، مقارنةً بدول مثل جنوب إفريقيا التي لا تزال تحتفظ بثقلها المؤسساتي رغم تقلبات تصنيفاتها، أو مصر التي جذبت استثمارات ضخمة رغم أزماتها المتتالية.
لا خلاف على أن الموقع الجغرافي الاستراتيجي للمغرب، عند نقطة التماس بين أوروبا وإفريقيا، يمثل أحد أهم أوراقه. لكن هل يكفي هذا الموقع في ظل تحديات مثل ضعف تنافسية الموانئ الداخلية (باستثناء طنجة المتوسط)، وبطء البيروقراطية، والتفاوت التنموي بين الجهات؟
الميثاق الاستثماري الجديد، الذي يطمح إلى رفع مساهمة القطاع الخاص إلى ثلثي الاستثمارات بحلول 2035، يبقى مشروعا طموحًا. ومع ذلك، فإن تجارب دول مثل رواندا في تبسيط مساطر الاستثمار، أو كينيا في تسريع رقمنة الإدارة، تشير إلى أن جذب المستثمرين لا يتحقق فقط بالإرادة، بل بخلق مناخ تنفيذ فعلي وشفاف يحصّن الثقة.
صدقي لم يفوّت الإشارة إلى رهانات المغرب في مجال الطاقات المتجددة، واضعًا سقفًا طموحًا يتمثل في تأمين 52% من الحاجيات الكهربائية من مصادر نظيفة بحلول 2030. هذا المشروع يتقاطع فعلاً مع خطط عالمية للانتقال الطاقي، لكن التنفيذ على الأرض يعاني من بطء في بعض المشاريع الكبرى، وتحديات مرتبطة بجلب التكنولوجيا، وضمان نقل الخبرات، والتوزيع المجالي العادل.
وإذا كانت جنوب إفريقيا تتجه نحو مشاريع طاقة شمسية لامركزية، ومصر تبني أحد أكبر محطات الطاقة الشمسية في بنبان، فإن التساؤل المطروح هو: هل سينجح المغرب في تجاوز مرحلة العروض التقديمية إلى إنتاج فعلي يحقق الأثر الاقتصادي والاجتماعي المرجو، خصوصًا على صعيد الشغل؟
حين يقدم المغرب نفسه كبوابة لإفريقيا، فإن عليه أن يثبت ذلك ليس فقط من خلال الجغرافيا، ولكن من خلال شبكات لوجستيكية فعالة، علاقات تجارية متوازنة، ودور مالي إقليمي حقيقي. ففي وقت تستثمر فيه نيجيريا في أسواقها الداخلية الكبرى، وتعيد مصر صياغة دورها الصناعي، يظل سؤال التموقع المغربي داخل سوق قارية بـ1.2 مليار نسمة، مرهونًا بتفعيل اتفاقية التبادل الحر الإفريقية (ZLECAF)، وقدرة المغرب على تصدير نموذج اقتصادي مستقر، قابل للتكرار، وليس فقط الاستهلاك المحلي للنمو.





