
حرب الشرق الأوسط ترفع فاتورة السفر: هل تهدد أسعار النفط تنافسية السياحة المغربية
الرباط: ادريس بنمسعود
تضع الاضطرابات الجيوسياسية المتصاعدة في الشرق الأوسط، وخاصة الحرب الأمريكية/الإسرائيلية على إيران، الاقتصاد العالمي أمام موجة جديدة من التقلبات في أسواق الطاقة، وهي موجة لا تبدو آثارها بعيدة عن الاقتصاد المغربي، ولا سيما عن قطاع السياحة الذي أصبح خلال السنوات الأخيرة أحد الأعمدة الأساسية للنمو الاقتصادي للمملكة. فارتفاع أسعار النفط لا يبقى حبيس الأسواق المالية أو تقارير شركات الطاقة، بل سرعان ما يتحول إلى ضغط مباشر على تكاليف النقل الجوي، وهو ما يطرح تساؤلات جدية حول قدرة الوجهة السياحية المغربية على الحفاظ على تنافسيتها في سوق دولي شديد الحساسية للأسعار.
إن العلاقة بين أسعار النفط والسياحة ليست علاقة غير مباشرة كما قد يبدو للوهلة الأولى؛ فكل ارتفاع في أسعار النفط يقود سريعاً إلى ارتفاع تكلفة وقود الكيروسين الذي يشكل جزءاً أساسياً من مصاريف شركات الطيران.
وعندما ترتفع تكاليف التشغيل لدى شركات الطيران، فإن النتيجة شبه الحتمية تكون ارتفاع أسعار التذاكر، خصوصاً في الرحلات الطويلة، وهو ما قد يؤدي إلى تراجع الطلب على السفر الدولي، خاصة لدى الفئات السياحية التي تحدد قراراتها وفق عامل التكلفة.
بالنسبة للمغرب، تبدو هذه المعادلة أكثر حساسية، بالنظر إلى أن جزءاً مهماً من تدفق السياح يعتمد على النقل الجوي، خصوصاً من الأسواق الأوروبية الرئيسية. ومع ارتفاع تكاليف الطيران، قد تبدأ المقارنة القاسية بين الوجهات السياحية، حيث تصبح بعض الوجهات الأوروبية القريبة أكثر جاذبية بسبب انخفاض تكاليف الوصول إليها أو توفر بدائل النقل البري والبحري، في حين تظل الرحلات نحو شمال إفريقيا مرتبطة حصرياً تقريباً بالطيران. وفي مثل هذه الظروف، قد يجد السائح الأوروبي نفسه أمام خيار اقتصادي بسيط: قضاء العطلة في وجهة قريبة وأقل تكلفة بدل السفر لمسافة أطول بتكلفة أعلى.
هذه المعادلة تكتسب حساسية أكبر إذا ما استحضرنا الرهان الكبير الذي يضعه المغرب على القطاع السياحي في استراتيجيته الاقتصادية المقبلة. فقد سجلت السياحة الوطنية خلال سنة 2025 أرقاماً قياسية سواء من حيث عدد ليالي المبيت أو حجم المداخيل، وهو ما عزز قناعة صناع القرار بأن القطاع قادر على لعب دور محوري في تحريك الاقتصاد وخلق فرص الشغل، خاصة مع اقتراب سنة 2030 التي سيستضيف فيها المغرب كأس العالم لكرة القدم، وهو حدث تعوّل عليه المملكة لتعزيز موقعها كوجهة سياحية عالمية.
غير أن تأثير التوترات الجيوسياسية لا يقتصر فقط على الجانب الاقتصادي المرتبط بأسعار الطاقة، بل يمتد أيضاً إلى البعد النفسي المرتبط بصورة الوجهات السياحية في ذهن المسافر. فمع اندلاع أي حرب في منطقة الشرق الأوسط، غالباً ما تتشكل لدى بعض السياح صورة نمطية تختزل العالم العربي والإسلامي في فضاء جغرافي واحد مضطرب، وهو تصور مبسط لكنه قد يؤثر فعلياً في قرارات السفر. في مثل هذه الحالات قد يتردد بعض السياح في زيارة بلدان بعيدة عن مسرح الصراع، مثل المغرب، فقط لأنهم يربطونها ذهنياً بالمنطقة التي تشهد التوتر.
ومع ذلك، لا تبدو الصورة قاتمة بالكامل. فالأزمات الجيوسياسية كثيراً ما تعيد رسم خريطة السياحة العالمية بطرق غير متوقعة. وإذا كانت بعض الوجهات في الخليج أو المشرق العربي قد تتأثر مباشرة بمناخ التوتر، فإن المغرب قد يجد نفسه في موقع بديل جذاب للسياح الباحثين عن تجربة ثقافية عربية أو متوسطية في بيئة مستقرة نسبياً. فالمملكة تمتلك ميزة جغرافية وسياسية تجعلها بعيدة عن بؤر الصراع، مع احتفاظها في الوقت ذاته بجاذبية ثقافية وسياحية قادرة على استقطاب فئات واسعة من المسافرين.
لكن تحويل هذا الظرف إلى فرصة لن يكون أمراً تلقائياً، بل يتطلب رؤية استباقية وسياسات تسويقية ذكية تعيد تقديم المغرب كوجهة آمنة ومستقرة ومختلفة عن مناطق التوتر. فالسياحة في زمن الأزمات لم تعد تعتمد فقط على جمال الوجهة أو جودة الخدمات، بل أصبحت مرتبطة بقدرة الدول على إدارة صورتها الدولية والتكيف مع التحولات السريعة في مزاج السوق السياحية.
وبين تهديد ارتفاع أسعار الطاقة وإمكانية الاستفادة من إعادة تشكيل خريطة السياحة العالمية، يقف القطاع السياحي المغربي أمام اختبار حقيقي. فإما أن يتحول إلى ضحية جانبية لصراعات الطاقة في الشرق الأوسط، أو أن يستثمر التحولات الجيوسياسية ليعزز موقعه كواحدة من أكثر الوجهات استقراراً وجاذبية في الضفة الجنوبية للمتوسط. وفي عالم تتحكم فيه الأزمات في حركة الاقتصاد، غالباً ما تكون القدرة على التكيف هي الفارق بين الخسارة وتحويل المخاطر إلى فرص.





