بين تألق ثلاثي مغربي وإقصاء الوداد المدوي… دروس في المشروع والارتجال

الرباط: إستثمار الرياضي

على الرغم من أن الأرقام وحدها لا تصنع الانطباعات، فإن نتائج ربع نهائي المسابقات الإفريقية كشفت بوضوح عن لحظة فارقة في مسار الكرة المغربية، حيث تجاوز الحضور القاري طابع الندرة ليصبح ترجمة فعلية لسياسات التدريب والتخطيط، وهو ما تجسّد في ضمان مقعد مغربي في نهائي دوري أبطال إفريقيا، بعدما فرض الجيش الملكي ونهضة بركان مواجهة مغربية خالصة في نصف النهائي، تعكس عمق التحول في التنافس المحلي وتحويله إلى قوة إقليمية قادرة على المنافسة في أغلى المسابقات القارية.

ما حققه الجيش الملكي بتأهله أمام بيراميدز لم يأتِ كحدث عابر، بل جاء ثمرة لعمل تراكمي استند إلى انضباط تكتيكي وروح جماعية عالية، ليستعيد بذلك أمجاده القارية بعد غياب طويل، في إشارة واضحة إلى أن استعادة التاريخ لا تحتاج إلى شعارات بقدر ما تحتاج إلى مشاريع منظمة. وفي الوقت نفسه، مثّل نهضة بركان نموذجاً للقوة الصاعدة التي لا تقوم على الصدفة، إذ واصل ترسيخ مكانته عبر إقصاء الهلال السوداني بثبات يعكس نضجاً تكتيكياً وشخصية تنافسية باتت سمة ملازمة للفريق في كل مشاركة.

غير أن المشهد المغربي في هذه المحطة القارية لم يكن مكتملاً دون بصمة نوعية لأولمبيك آسفي في كأس الكونفدرالية، حيث نجح في كسر احتكار الأندية الكبرى للمنافسة القارية، مؤكداً أن النجاح لم يعد مرهوناً بحجم الشعبية أو الاعتمادات المالية، بل أصبح رهناً بحسن التدبير واستقرار المشروع الفني والجاهزية الذهنية، وهي العناصر التي شكلت القاسم المشترك بين الأندية الثلاثة المتألقة، والتي جعلت منها نماذج في الانضباط والواقعية واستثمار الإمكانات المتاحة بأقصى درجات الفعالية.

لكن هذا المشهد المتفاوت بين الصعود والتراجع لم يكن ليخلو من نقيض دراماتيكي تمثل في الإقصاء المدوي للوداد الرياضي، الذي خرج من المنافسة في صورة عكست اختلالات هيكلية لا يمكن إرجاعها إلى طموح الخصم أو تقلبات المستطيل الأخضر وحده، بقدر ما كانت نتيجة مباشرة لتراكمات تتصل بسوء التقدير الإداري والتدبير التقني، وأبرزها الإصرار على استمرار الطاقم التقني بقيادة محمد أمين بنهاشم رغم تكرار الأخطاء وتراجع الأداء في سياق ابتعدت فيه الإدارة عن فلسفة النادي التي تأسست على الرزانة والعمل المنظم وعدم الانسياق وراء البهرجة التي لا تليق بثقل المؤسسة. هذا الإقصاء، الذي حمل في طياته مفارقة كبرى في وقت تتألق فيه ثلاثة أندية مغربية، لم يكن مجرد خروج من البطولة بقدر ما كان كشفاً لحالة من الهشاشة المؤسسية التي جعلت الفريق يدفع ثمن غياب الرؤية أكثر من أي شيء آخر، إذ بدا بلا هوية واضحة، وسط قرارات تفتقر إلى الانسجام والتخطيط، في ابتعاد ملحوظ عن فلسفة النادي القائمة على الرزانة والعمل المنظم والابتعاد عن البهرجة الفارغة.

وفي مقابل ذلك، يظل الإنصاف مطلوباً تجاه أولمبيك آسفي الذي جسّد بأدائه أن كرة القدم تحسم داخل الملعب لا عبر الضجيج الإعلامي أو الخرجات الاستهلاكية، حيث حسم تأهله بروح قتالية وتنظيم محكم، ليكون نموذجاً آخر على أن الفعل الميداني يظل هو الفيصل الحقيقي في معادلة النجاح.

هكذا قدم المشهد القاري صورة مزدوجة للكرة المغربية: وجه مشرق لثلاثة أندية جسدت معنى الفعالية والجاهزية والانضباط المؤسسي، ووجه آخر لواحد من أعرق الأندية العربية تجلى في إقصاء مدوي كشف أن التفوق لا يقاس بحجم الشعبية أو الميزانية، بل بقدرة النادي على تحويل إمكانياته إلى نتائج عبر رؤية واضحة وإدارة ذكية، وهو الدرس الأعمق الذي يمكن استخلاصه من هذه المحطة القارية بامتياز.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى