
برلمان على صفيح ساخن: دورة الربيع بين حسابات النهاية وامتحان المصداقية السياسية
الرباط: إدريس بنمسعود
تتجه الأنظار إلى الدورة التشريعية الربيعية المقبلة لمجلس النواب، لا باعتبارها محطة عادية ضمن الأجندة البرلمانية، بل بوصفها لحظة سياسية مكثفة تختزل تناقضات الولاية التشريعية الحادية عشرة بأكملها.
فمع اقتراب العدّ التنازلي للاستحقاقات الانتخابية، تتحول هذه الدورة إلى فضاء لتصفية الحسابات السياسية، أكثر منها ورشا هادئا للتشريع الرصين، ما يطرح سؤالا جوهريا حول قدرة المؤسسة التشريعية على تحقيق التوازن بين منطق التقييم الموضوعي ومنطق التموقع الانتخابي المبكر.
في الظاهر، تجمع مكونات الأغلبية والمعارضة على توصيف هذه الدورة كمحطة مفصلية لتقييم الأداء الحكومي والتشريعي، غير أن هذا الإجماع يخفي اختلافا عميقا في زوايا النظر: فالأغلبية تميل إلى تقديم الحصيلة والدفاع عنها في سياق دولي ضاغط، بينما ترى المعارضة في هذه اللحظة فرصة لإبراز أعطاب التدبير الحكومي والتأكيد على محدودية أثر السياسات العمومية، خاصة في ما يتعلق بالقدرة الشرائية والتشغيل.
هذا التوتر البنيوي مرشح للتصاعد داخل قبة البرلمان، حيث يرتقب أن يتحول النقاش السياسي إلى مواجهة مفتوحة تتداخل فيها رهانات الرقابة بالمزايدات الانتخابية. فتصريحات بعض قيادات الفرق النيابية تكشف وعيا ضمنيا بأن منسوب “الحدة السياسية” سيرتفع، وهو أمر قد يكون طبيعيا في نهاية الولايات، لكنه يهدد في المقابل بتحويل الوظيفة الرقابية إلى مجرد أداة للتراشق، بدل أن تكون آلية لتجويد السياسات العمومية.
ومن زاوية نقدية، يبرز إشكال مركزي يتعلق بمدى فعالية البرلمان في فرض إيقاعه التشريعي على الحكومة. فرغم الحديث عن استكمال أوراش كبرى، مثل إصلاح منظومة العدالة أو مراجعة مدونة الأسرة، إلا أن جزءا مهما من هذه المشاريع ظل معلقا أو مؤجلا لسنوات، ما يعكس اختلالا في التوازن بين السلط، ويطرح تساؤلات حول مدى التزام السلطة التنفيذية بالأجندة التشريعية. بل إن شكاوى المعارضة من ضعف التفاعل مع المبادرات البرلمانية تعيد إلى الواجهة نقاشا قديما حول حدود السلطة التشريعية في النظام السياسي المغربي.
وفي سياق متصل، لا يمكن فصل هذه الدورة عن الضغوط الاجتماعية والاقتصادية المتزايدة، حيث تجد الحكومة نفسها أمام امتحان مزدوج: تدبير آثار الأزمات الدولية، خاصة تقلبات أسعار الطاقة، والاستجابة لانتظارات داخلية متنامية ترتبط بغلاء المعيشة وتراجع القدرة الشرائية. وهنا تبرز مفارقة واضحة؛ إذ بينما تتحدث الأغلبية عن ضرورة تحويل الأزمات إلى فرص، تشكك المعارضة في نجاعة الإجراءات المتخذة، معتبرة أن الحصيلة لا ترقى إلى مستوى التحديات.
كما أن تركيز النقاش المرتقب على قضايا مثل التشغيل والسياسات الفلاحية وتقييم البرامج الكبرى، يضع الحكومة أمام اختبار الشفافية في تقديم حصيلة دقيقة، بعيدا عن الخطاب التبريري أو الانتقائي. فالدورة الربيعية ليست فقط لحظة مساءلة سياسية، بل أيضا امتحان للوضوح في الأرقام والمعطيات، خاصة في ظل تنامي وعي مجتمعي يطالب بربط المسؤولية بالمحاسبة بشكل فعلي.
غير أن التحدي الأبرز يظل في قدرة المؤسسة التشريعية على تجاوز الطابع الموسمي للرقابة، الذي غالبا ما يشتد في نهاية الولايات، ليخفت بعدها. فالمطلوب ليس فقط مساءلة ظرفية، بل إرساء تقاليد مؤسساتية تجعل من التقييم ممارسة مستمرة، لا ترتبط فقط بقرب الانتخابات.
في المحصلة، تبدو الدورة التشريعية المقبلة أشبه بمرآة تعكس واقع الحياة السياسية في المغرب: توازن هش بين منطق الدولة ومنطق السياسة، بين الحاجة إلى الاستقرار ومتطلبات المحاسبة، وبين رهانات الإصلاح وضغوط الزمن الانتخابي.
وهي بذلك ليست مجرد محطة عابرة، بل اختبار حقيقي لمدى نضج الممارسة الديمقراطية وقدرتها على إنتاج سياسات عمومية تستجيب فعلا لانتظارات المواطنين، بدل أن تظل حبيسة التجاذبات الظرفية.





