من 31 غشت إلى 9 شتنبر 2026: سباق الترشيحات البرلمانية بين رقمنة المساطر واختبار الثقة الانتخابية

الرباط: إدريس بنمسعود

مع تحديد الفترة الممتدة من صباح الإثنين 31 غشت إلى زوال الأربعاء 9 شتنبر 2026 كنافذة رسمية لإيداع الترشيحات لانتخابات مجلس النواب، يدخل المسار الانتخابي المغربي مرحلة مفصلية تكشف تحوّلاً واضحاً في تدبير العملية السياسية، حيث تتقاطع إرادة التحديث الرقمي مع رهانات النزاهة والشفافية، في سياق يفرض مقارنة ضمنية بين النموذج التقليدي القائم على المساطر الورقية والنموذج الجديد المرتكز على المنصات الإلكترونية.

المرسوم المؤطر لهذه العملية لا يكتفي بتحديد الآجال الزمنية، بل يعكس توجهاً مؤسساتياً نحو عقلنة إجراءات الترشيح عبر منصة رقمية تُفتح موازاة مع بداية العملية وتُغلق قبل انتهائها بيوم، ما يبرز محاولة لضبط الزمن الإداري وتفادي الاختلالات المرتبطة بالتأخر أو التلاعب، غير أن هذا الانتقال الرقمي، رغم ما يحمله من وعود بالنجاعة، يطرح في المقابل تحديات تتعلق بمدى جاهزية الفاعلين السياسيين، خاصة في المناطق التي قد تعاني من ضعف الولوج الرقمي أو نقص الخبرة التقنية.

وفي مقارنة مع الممارسات السابقة، التي كانت تعتمد بشكل كبير على الحضور المادي وتعدد الوثائق الورقية، تبدو المسطرة الجديدة أكثر صرامة من حيث التحقق من المعطيات وتوحيدها، إذ يُلزم وكيل اللائحة بفتح حساب خاص، وتعبئة التصريح الإلكتروني، وإرفاق جميع الوثائق المطلوبة، بما فيها التزكية الحزبية أو الوثائق القانونية الخاصة بالمترشحين غير المنتمين، مع تحمل مسؤولية الإشهاد على صحتها، وهو ما ينقل عبء الدقة من الإدارة إلى الفاعل السياسي نفسه.

هذا التحول يعكس أيضاً إعادة توزيع للأدوار، حيث لم تعد السلطة المحلية وحدها نقطة الارتكاز في تلقي الترشيحات، بل أصبحت المنصة الرقمية فضاءً أولياً للحسم، قبل المرور إلى مرحلة التحقق المادي، وهو ما قد يساهم في تقليص هامش التدخل البشري، لكنه في الوقت ذاته يفتح نقاشاً حول مخاطر الإقصاء التقني أو الأخطاء غير المقصودة التي قد تؤدي إلى إلغاء الترشيحات بشكل آلي.

أما بالنسبة للوائح غير الحزبية، فإن المشرّع حافظ على نفس الصرامة، بل وربما شدد أكثر على ضرورة استيفاء الوثائق القانونية، في محاولة لضمان تكافؤ الفرص، غير أن ذلك يطرح تساؤلاً حول مدى قدرة المستقلين على مجاراة هذه التعقيدات مقارنة بالأحزاب التي تتوفر على هياكل تنظيمية ودعم تقني.

وبين التشدد في رفض الملفات غير المكتملة والسعي إلى تسريع الإجراءات عبر الرقمنة، يبدو أن الدولة تراهن على نموذج انتخابي أكثر انضباطاً، لكنه أكثر تعقيداً أيضاً، حيث يصبح الخطأ التقني أو الإجرائي كفيلاً بإقصاء فاعلين من السباق، وهو ما يجعل من مرحلة إيداع الترشيحات ليس مجرد إجراء شكلي، بل اختباراً حقيقياً لقدرة الفاعلين السياسيين على التكيف مع قواعد جديدة تعيد رسم ملامح التنافس الانتخابي في المغرب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى