حين تتحدث الأرقام بلغة التفاؤل… هل يقترب الاقتصاد المغربي من “الإقلاع الحقيقي”؟

الرباط: نارمان بنمسعود

في عرضٍ يفيض بالأرقام والمؤشرات الإيجابية، رسم رئيس الحكومة عزيز أخنوش صورة اقتصاد وطني يتهيأ لمرحلة “التحول الكبير”، مع توقعات بتجاوز عتبة 5% نمو وبلوغ مليون منصب شغل في أفق 2026.

غير أن قراءة تحليلية مقارنة تكشف أن هذه الأرقام، رغم أهميتها، تطرح أسئلة جوهرية حول طبيعة هذا النمو: هل هو هيكلي ومستدام، أم مجرد انتعاش دوري تدعمه ظروف ظرفية؟
عند مقارنة الأداء الاقتصادي للفترة 2021-2025 بما قبلها، يظهر تحسن واضح في وتيرة النمو، حيث انتقل المتوسط من حوالي 2.1% إلى 4.5%.

هذا الارتفاع يعكس بلا شك دينامية أقوى، لكنه يظل في سياق دولي عرف بدوره تعافياً بعد صدمة الجائحة، ما يجعل من الصعب فصل أثر السياسات الحكومية عن تأثير الظرفية العالمية. بمعنى آخر، ما يُقدَّم كنجاح داخلي قد يكون جزئياً نتيجة “موجة دولية” أكثر منه تحولاً بنيوياً خالصاً.

في المقابل، يعكس التركيز على الأنشطة غير الفلاحية تحولاً مهماً في بنية الاقتصاد، خاصة في ظل تراجع دور القطاع الفلاحي بسبب توالي سنوات الجفاف. غير أن هذا التحول يظل غير مكتمل، إذ أن الاقتصاد المغربي ما زال هشاً أمام الصدمات المناخية، وهو ما يطرح تحدي تسريع الانتقال نحو نموذج إنتاجي أقل ارتهاناً بالعوامل الطبيعية وأكثر اعتماداً على الصناعة والخدمات ذات القيمة المضافة العالية.

أما في ما يخص سوق الشغل، فإن الأرقام المعلنة تبدو لافتة مقارنة بالفترات السابقة، حيث تضاعفت وتيرة خلق فرص العمل. لكن المقارنة الدقيقة تكشف أن جزءاً من هذا “التحسن” يرتبط بتعويض مناصب فلاحية غير مستقرة بوظائف غير فلاحية، ما يعني أن التحسن الكمي لا يعكس بالضرورة تحسناً نوعياً شاملاً. ورغم تسجيل تقدم في التصريح بالعمال لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، فإن تحدي التشغيل اللائق لا يزال قائماً، خاصة في ظل استمرار البطالة في مستويات مقلقة لدى الشباب.
على مستوى التوازنات المالية، تبدو المؤشرات أكثر تماسكا، مع تراجع العجز وانخفاض التضخم بشكل ملحوظ مقارنة بسنة 2022.

لكن هذا التحسن يطرح بدوره تساؤلات مقارنة: هل يعكس فعلاً تحكماً هيكلياً في المالية العمومية، أم أنه نتيجة ظرفية لانخفاض أسعار بعض المواد الأولية عالمياً وتراجع الضغوط التضخمية الدولية؟ نفس السؤال ينسحب على ارتفاع الموارد الجبائية، الذي قد يعكس توسعاً في الوعاء الضريبي، لكنه قد يكون أيضاً نتيجة ضغط ضريبي متزايد على نفس الفئات.

في المحصلة، يبدو أن الاقتصاد المغربي يقف عند مفترق طرق بين خطاب سياسي متفائل يستند إلى مؤشرات رقمية إيجابية، وواقع اقتصادي لا يزال في طور إعادة التوازن بعد صدمات متتالية. الفارق الحقيقي لن يُقاس فقط بنسبة النمو أو عدد مناصب الشغل، بل بمدى قدرة هذا النمو على الصمود أمام الأزمات، وتوزيعه بشكل عادل، وتحويله إلى تحسين ملموس في مستوى عيش المواطنين. هنا فقط يمكن الحديث عن “إقلاع اقتصادي” حقيقي، لا مجرد صعود ظرفي محكوم بتقلبات الداخل والخارج.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى