لماذا يرفض الشباب المغربي هذه الوظائف؟ تحليل مقارن يكشف أزمة التشغيل الخفية

الرباط: نارمان بنمسعود

تستمر أزمة التشغيل في المغرب في التطور من مجرد تحدٍ اقتصادي إلى أزمة نفسية واجتماعية معقدة، حيث يكشف تحليل مقارن بين الخطاب الرسمي وتشخيص الخبراء عن فجوة عميقة في فهم ديناميكيات سوق العمل. فبينما يركز صناع القرار على الشق الاقتصادي البحت، يتجاهلون الأبعاد النفسية والاجتماعية التي تدفع الشباب إلى النفور من قطاعات كالبناء والخدمات، رغم توفر فرص العمل فيها.

من جهة، يُلاحظ تركيز كوادر مؤهلة في المدن الكبرى، مما يخلق “عطالة ظرفية” في المناطق النائية ويعمق الفوارق المجالية. ومن جهة أخرى، يدفع النزوح من البادية آلاف الأشخاص إلى فقدان عملهم في القرى، بينما تزداد نسب الفقر في المدن بسبب عدم قدرة الاقتصاد الحضري على استيعابهم. هذه الديناميكية تفضي إلى مفارقة صارخة: نقص حاد في اليد العاملة بقطاعات مثل البناء، مما يدفع الشركات إلى توظيف عمال من إفريقيا جنوب الصحراء، بينما يبقى الشباب المغربي عاطلاً أو يبحث عن فرص في القطاعات “الجاذبة” فقط.

التحليل المقارن يكشف أيضاً عن تناقضات هيكلية في نموذج التشغيل المغربي. فمن ناحية، تعتمد طفرة خدمات التوصيل عبر التطبيقات على نظام “المقاول الذاتي” الهش الذي يحرم العاملين من الحماية الاجتماعية والعقود الرسمية. ومن ناحية أخرى، تهدد التحولات القانونية في أوروبا بوظائف آلاف العاملين في مراكز النداء مع حلول عام 2026، مما يعرض شريحة كبيرة من الشباب للبطالة المفاجئة.

الحلول المقترحة من قبل الخبراء تقدم بديلاً تحويلياً عن النهج الحالي: الانتقال من سياسات التشغيل الظرفية، مثل تلك المرتبطة باستضافة كأس العالم 2030، إلى استثمار استراتيجي في القطاعات المستقبلية كالطاقات المتجددة والرقمنة. كما يدعو التحليل إلى إعادة توزيع عادل للفرص عبر سياسات تستهدف المناطق النائية، بدلاً من احتكار التنمية للمحاور الحضرية الكبرى.

ختاماً، فإن معالجة نفور الشباب تتطلب أكثر من مجرد فتح فرص عمل؛ فهي تستلزم بناء “ثقافة اجتماعية” جديدة تجعل العمل في جميع القطاعات مصدر كرامة وانتماء. بدون هذه الرؤية الشاملة، ستتحول أزمة التشغيل من ظاهرة اقتصادية إلى صدمة مجتمعية طويلة الأمد تهدد استقرار النسيج الاجتماعي برمته.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى