اغتيال خامنئي يشعل الشرق الأوسط: من “الضربة الاستباقية” إلى حافة الحرب الشاملة

الرباط: إستثمار

في أقل من أربعٍ وعشرين ساعة، انتقلت المنطقة من إعلان إسرائيلي عن “هجوم استباقي” على إيران إلى إقرار رسمي إيراني بمقتل مرشدها الأعلى علي خامنئي، في تصعيد غير مسبوق أعاد رسم معادلات القوة بين طهران وتل أبيب وواشنطن، وفتح الباب أمام مرحلة تتجاوز مفهوم الضربات المحدودة نحو صراع متعدد الجبهات.

من حيث الحجم والرمزية، شكّلت الضربة الأمريكية الإسرائيلية أكبر عملية عسكرية مباشرة ضد إيران، بمشاركة نحو 200 طائرة واستهداف مئات المواقع المرتبطة بالدفاعات الجوية والصاروخية ومراكز القيادة.

مقارنة بالهجمات السابقة التي اتسمت بالضربات الجراحية أو العمليات السرية، اتخذت هذه العملية طابعًا علنيًا واسع النطاق، توّجه إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترمب مقتل خامنئي، قبل أن تؤكد طهران ذلك وتعلن حدادًا عامًا وقيادة انتقالية ثلاثية. بهذا المعنى، لم يعد الأمر مجرد ردع متبادل، بل محاولة لإحداث فراغ في قمة الهرم السياسي الإيراني.

غير أن الكلفة الإنسانية داخل إيران، مع سقوط مئات القتلى والجرحى واستهداف مدارس ومنشآت مدنية، كشفت اتساع رقعة النيران مقارنة بضربات سابقة كانت تتركز غالبًا على أهداف عسكرية بحتة. وهو ما يعزز سردية إيرانية تعتبر ما حدث “عدوانًا شاملًا”، مقابل رواية أمريكية إسرائيلية تضعه في إطار “تحييد التهديدات الاستراتيجية”.

في المقابل، لم تتأخر طهران في الانتقال من موقع الدفاع إلى الهجوم. فالصواريخ والطائرات المسيّرة استهدفت قواعد عسكرية ومواقع حيوية داخل إسرائيل، وألحقت أضرارًا بعدة مدن، كما توسعت دائرة الرد لتشمل مصالح أمريكية في الخليج. هنا يتجلى الفرق بين مرحلتين: سابقًا كانت إيران تعتمد سياسة “الصبر الاستراتيجي” أو الرد غير المباشر عبر حلفائها، أما الآن فقد أعلنت المواجهة بشكل مباشر ومتزامن على أكثر من جبهة.

مضيق هرمز شكّل بدوره ورقة ضغط استراتيجية. التلويح بإغلاقه – حتى وإن بقي فعليًا مفتوحًا بحذر – أعاد إلى الواجهة معادلة الطاقة العالمية. فالمقارنة مع أزمات سابقة تظهر أن طهران كانت تستخدم المضيق كورقة ردع نفسية، أما اليوم فقد ترافق التهديد مع اضطراب فعلي في حركة الملاحة، ما يضع الاقتصاد العالمي أمام احتمال صدمة جديدة في أسواق النفط.

أما دول الخليج، فوجدت نفسها في قلب المعادلة، بعد تعرض مطارات وقواعد عسكرية ومنشآت لهجمات صاروخية ومسيرات، رغم اعتراض الدفاعات الجوية لكثير منها. وهنا تتضح المفارقة: هذه الدول لطالما سعت إلى تحييد أراضيها عن المواجهة المباشرة، لكنها باتت ساحة ارتدادات لصراع يتجاوزها.

تحليليًا يمكن القول إن ما جرى يمثل انتقالًا من “حرب الظل” إلى “المواجهة المكشوفة”. اغتيال شخصية بحجم المرشد الأعلى ليس حدثًا تكتيكيًا بل تحوّل استراتيجي قد يعيد تشكيل بنية النظام الإيراني داخليًا، ويؤسس لمرحلة أكثر راديكالية في سياسته الخارجية. وفي المقابل، تخاطر إسرائيل والولايات المتحدة بدخول صراع استنزاف طويل، خاصة إذا تحولت الضربات المتبادلة إلى حرب إقليمية مفتوحة.

المنطقة اليوم لا تعيش مجرد تصعيد عابر، بل لحظة مفصلية تُقارن بحروب كبرى غيّرت خرائط النفوذ. والسؤال لم يعد إن كانت المواجهة ستتوسع، بل إلى أي مدى يمكن احتواؤها قبل أن تتحول إلى حرب شاملة تعيد صياغة الشرق الأوسط بأكمله.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى