المغرب يربح معركة الأرقام… ويخسر ثقة المواطنين؟ عندما يصبح النمو الاقتصادي بلا أثر اجتماعي

الرباط : المهدي الجرباوي

رغم استمرار المغرب في تحقيق مؤشرات ماكرو-اقتصادية توصف بالإيجابية، والحفاظ على قدر من الصمود أمام الأزمات الدولية والجفاف والاضطرابات الجيوسياسية، فإن هذا الأداء يثير مفارقة يصعب تجاهلها؛ فكلما تحسنت الأرقام الرسمية، ازداد شعور فئات واسعة من المغاربة بأن أوضاعهم المعيشية لا تتحسن بالوتيرة نفسها. إنها المفارقة التي اعترف بها والي بنك المغرب، عبد اللطيف الجواهري، في تقريره السنوي المرفوع إلى جلالة الملك، واضعا بذلك يده على أحد أكثر الملفات حساسية في المرحلة الراهنة.
هذا الاعتراف يحمل دلالة خاصة، لأنه صادر عن أعلى سلطة نقدية في البلاد، وليس عن جهة سياسية أو معارضة.

فالتقرير لا ينفي أن الاقتصاد المغربي حقق مكاسب مهمة، سواء من خلال الحفاظ على التوازنات المالية، أو مواصلة جذب الاستثمارات، أو تنفيذ مشاريع بنيوية كبرى، لكنه في المقابل يقر بأن هذه الإنجازات لم تتحول بعد إلى تحسن ملموس في مستوى عيش المواطنين، وهو ما يطرح سؤالا جوهريا حول طبيعة النمو الاقتصادي وحدود تأثيره الاجتماعي.

لقد اعتاد المغرب خلال السنوات الأخيرة تقديم أرقام إيجابية بشأن النمو والاستثمار والاستقرار المالي، وهي مؤشرات تحظى بإشادة المؤسسات المالية الدولية ووكالات التصنيف. غير أن المواطن لا يقيس نجاح الاقتصاد بحجم الاستثمارات ولا بنسبة النمو، وإنما بقدرته على إيجاد فرصة عمل، وتحسين دخله، وضمان تعليم جيد لأبنائه، والاستفادة من خدمات صحية لائقة، والحفاظ على قدرته الشرائية.

وعندما تغيب هذه العناصر، تصبح المؤشرات الاقتصادية بالنسبة إليه مجرد أرقام لا تعكس واقعه اليومي.
ومن هنا تبرز المقارنة بين “اقتصاد المؤشرات” و”اقتصاد المواطن”. فالأول يتحدث بلغة الناتج الداخلي الخام والاستثمارات والتوازنات المالية، بينما الثاني يقيس النجاح بعدد مناصب الشغل، وأسعار المواد الأساسية، ومستوى الدخل، وجودة الخدمات العمومية.

وإذا كانت المؤشرات الأولى تسجل تقدما، فإن المؤشرات الثانية لا تزال تعاني اختلالات عميقة، وهو ما يفسر اتساع فجوة الثقة بين المواطن والخطاب الاقتصادي الرسمي.

ويبدو أن سوق الشغل تمثل الحلقة الأكثر هشاشة في هذه المعادلة. فالنمو الذي لا ينتج فرص عمل كافية يفقد جزءا كبيرا من قيمته الاجتماعية، وهو ما أكده والي بنك المغرب عندما اعتبر التشغيل الحلقة الأضعف في الاقتصاد الوطني. فارتفاع معدلات البطالة، خاصة في صفوف الشباب، واستمرار وجود ملايين خارج التعليم والتكوين وسوق العمل، يكشف أن الاقتصاد، رغم نموه، لا ينجح بالقدر الكافي في تحويل الثروة إلى إدماج اجتماعي حقيقي.
ولا يقف الأمر عند حدود البطالة، بل يمتد إلى اتساع الفوارق الاجتماعية والمجالية.

فحين يستهلك الأغنياء أكثر من سبعة أضعاف ما تستهلكه الأسر محدودة الدخل، وحين تستمر الفجوة بين المدن والقرى في الخدمات وفرص التنمية، يصبح من الطبيعي أن يشعر جزء كبير من المواطنين بأن ثمار النمو تذهب إلى فئات أو مناطق محددة، بينما يظل نصيبهم منها محدودا. وهنا يتحول النمو الاقتصادي من فرصة لتقليص الفوارق إلى عامل يعمق الإحساس بعدم العدالة إذا لم ترافقه سياسات أكثر إنصافا في توزيع الثروة.

وإذا كان المغرب ليس الدولة الوحيدة التي تواجه هذه المفارقة، فإن خصوصية الحالة المغربية تكمن في أن الرهانات الاقتصادية الكبرى، من استقطاب الاستثمارات إلى التحضير للأحداث الرياضية العالمية، ترفع سقف انتظارات المواطنين، ما يجعل أي تأخر في انعكاس هذه المشاريع على التشغيل والدخل والخدمات أكثر وضوحا وإثارة للنقاش.

إن تقرير بنك المغرب لا يكتفي بتشخيص الأزمة، بل يوجه رسالة واضحة مفادها أن نجاح السياسات الاقتصادية لم يعد يقاس فقط بقدرتها على تحسين المؤشرات المالية، وإنما بمدى انعكاسها على الحياة اليومية للمواطنين. فالمعادلة الجديدة لا تتعلق بتحقيق النمو فقط، بل بجعل هذا النمو أكثر عدالة وشمولا وقدرة على خلق فرص الشغل وتقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية.

وفي النهاية، تبدو الرسالة التي حملها التقرير أكثر عمقا من مجرد قراءة للأرقام؛ فهي دعوة إلى مراجعة فلسفة التنمية نفسها. فالمغرب نجح إلى حد بعيد في تعزيز صلابة اقتصاده أمام الصدمات، لكن التحدي الحقيقي لم يعد يكمن في تحقيق النمو، بل في تحويله إلى شعور جماعي بالتحسن. فحين يشعر المواطن بأن حياته تتغير نحو الأفضل، تصبح الأرقام ذات معنى، أما إذا بقيت حبيسة التقارير، فإن الفجوة بين الاقتصاد والمجتمع ستتسع، مهما بدت المؤشرات الرسمية مطمئنة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى