
61 مليار درهم من الجالية و26 مليار من الاستثمارات… فلماذا لا ينعكس ذلك على المستوى المعيشي للمواطن؟
الرباط: إستثمار
تكشف أحدث معطيات مكتب الصرف عن استمرار تدفق مؤشرات إيجابية نحو الاقتصاد المغربي، حيث بلغت تحويلات المغاربة المقيمين بالخارج 61,48 مليار درهم مع نهاية يونيو 2026، بارتفاع سنوي بلغ 9,9 في المائة، كما حقق ميزان الأسفار فائضا قياسيا وصل إلى 48,8 مليار درهم، في الوقت الذي ارتفع فيه صافي الاستثمارات الأجنبية المباشرة بنسبة 31,5 في المائة ليبلغ 26,16 مليار درهم.
وهي أرقام تعكس، على الورق، اقتصادا يجذب الرساميل ويستفيد من قوة الجالية المغربية ومن الدينامية المتواصلة لقطاع السياحة.
لكن، وعلى الرغم من هذا الأداء، يظل السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: لماذا لا تنعكس هذه المؤشرات المطمئنة على الحياة اليومية للمغاربة؟
فتحويلات الجالية، التي تجاوزت 61 مليار درهم في ستة أشهر فقط، أصبحت ركيزة أساسية لاستقرار الاقتصاد الوطني، إذ تساهم في تعزيز احتياطي العملة الصعبة ودعم الاستهلاك الداخلي وتمويل آلاف الأسر. غير أن هذه الأموال، التي تأتي أساسا من مجهودات المغاربة في الخارج، لا يمكن أن تكون بديلا عن خلق الثروة داخل البلاد أو عن توفير فرص الشغل وتحسين القدرة الشرائية للمواطنين.
وفي المقابل، يواصل قطاع السياحة تسجيل نتائج استثنائية، بعدما ارتفعت مداخيله إلى 64,89 مليار درهم، مقابل نفقات بلغت 16,09 مليار درهم فقط، وهو ما أفرز فائضا مهما في ميزان الأسفار.
كما تعززت جاذبية المغرب لدى المستثمرين الأجانب بارتفاع صافي الاستثمارات الأجنبية المباشرة إلى أكثر من 26 مليار درهم، في مؤشر على استمرار الثقة في الاقتصاد الوطني ومشاريعه الكبرى.
غير أن هذه المؤشرات، مهما بلغت أهميتها، لا تكفي وحدها لقياس جودة الأداء الاقتصادي. فالمواطن البسيط يقيس نجاح الاقتصاد من خلال أسعار المواد الأساسية، ومستوى الأجور، وفرص العمل، وجودة الخدمات الصحية والتعليمية، وليس فقط بحجم الاحتياطات من العملة الصعبة أو قيمة التدفقات المالية.
وتؤكد هذه المفارقة أن التحدي الحقيقي لم يعد يتمثل في تحقيق أرقام قياسية في التقارير الرسمية، وإنما في تحويل هذه المكاسب إلى أثر اقتصادي واجتماعي ملموس ينعكس على مستوى عيش المواطنين. فالنمو الذي لا يخلق فرصا كافية للشغل، ولا يخفف من أعباء المعيشة، يبقى نموا غير مكتمل، مهما كانت المؤشرات المالية مشجعة.
اليوم، يبدو المغرب أمام فرصة حقيقية للاستفادة من هذه الموارد المالية المهمة في تسريع الاستثمار المنتج، ودعم المقاولات، وتحسين الخدمات العمومية، وتقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية.
فنجاح أي سياسة اقتصادية لا يقاس فقط بما تحققه من أرقام، بل بقدرتها على تحسين حياة المواطنين وإعادة بناء الثقة في أن ثمار النمو تصل إلى الجميع، وليس إلى المؤشرات وحدها.
إذا كان المقال موجهاً للنشر في موقع إخباري، فإن هذا الأسلوب يجمع بين نقل الخبر وقراءته النقدية، ويطرح السؤال الذي يشغل الرأي العام حول الفجوة بين تحسن المؤشرات الاقتصادية واستمرار الضغوط المعيشية.





