
إرتفاع اسعار المحروقات ينعكس سلبا على جيوب المغاربة.. هل أصبحت أسعار المحروقات رهينة للأزمات أم لغياب المنافسة؟
الرباط: إستثمار
لم يعد ارتفاع أسعار المحروقات في المغرب مجرد خبر اقتصادي عابر، بل تحول إلى مؤشر يثير قلق الأسر والمقاولات على حد سواء، بالنظر إلى تأثيره المباشر على تكلفة المعيشة والإنتاج والنقل. فمع كل موجة صعود في الأسواق الدولية، تعود الأسعار المحلية إلى الارتفاع بسرعة، بينما يظل تراجعها عند انخفاض النفط العالمي محدوداً وبطيئاً، ما يثير تساؤلات متجددة حول طبيعة سوق المحروقات في المملكة ومدى قدرتها على حماية المستهلك من التقلبات الخارجية.
الزيادة الأخيرة، التي قاربت درهماً واحداً في اللتر، جاءت في سياق دولي يتسم بتصاعد التوترات الجيوسياسية، خاصة في مناطق إنتاج ونقل الطاقة، وهو ما انعكس على أسعار النفط الخام ومشتقاته، إلى جانب ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين البحري. وباعتباره بلداً يستورد معظم حاجياته من المحروقات، يجد المغرب نفسه في مواجهة مباشرة مع هذه المتغيرات، دون أن يمتلك هامشاً واسعاً للتأثير في اتجاهاتها.
ويؤكد يوسف كراوي الفيلالي، رئيس المركز المغربي للحكامة والتسيير، أن العوامل الخارجية تظل المحرك الأساسي للزيادات الأخيرة، مشيراً إلى أن الموسم الصيفي يرفع أيضاً حجم الطلب على الوقود بفعل تنقل المواطنين وعودة أفراد الجالية المغربية المقيمة بالخارج، وهو ما يزيد الضغط على الاستهلاك الداخلي.
غير أن اختزال الأزمة في العامل الدولي وحده لا يقنع عدداً من المتابعين للشأن الاقتصادي، الذين يعتبرون أن الإشكال الحقيقي يكمن في كيفية انتقال الأسعار العالمية إلى السوق الوطنية.
فحين ترتفع أسعار النفط، تنعكس الزيادة بسرعة على محطات الوقود، بينما يبدو مسار الانخفاض أكثر بطئاً، وهو ما يعيد إلى الواجهة الجدل بشأن مستوى المنافسة، وهوامش الربح، وفعالية آليات المراقبة بعد تحرير أسعار المحروقات.
وتزداد خطورة هذه الزيادات لأن تأثيرها لا يتوقف عند مضخات الوقود، بل يمتد إلى مختلف مفاصل الاقتصاد الوطني.
فارتفاع تكلفة النقل يؤدي إلى زيادة كلفة الإنتاج والتوزيع، قبل أن ينعكس على أسعار الخضر والفواكه والمواد الغذائية ومواد البناء والخدمات، ما يخلق موجة تضخمية جديدة يدفع ثمنها المستهلك النهائي.
وتأتي هذه التطورات في وقت تشير فيه المؤشرات الرسمية إلى تراجع معدل التضخم مقارنة بالسنوات الماضية، إلا أن هذا التراجع لم ينعكس بالشكل الكافي على أسعار العديد من المواد الأساسية، وهو ما يعمق الإحساس لدى المواطنين بأن تكلفة العيش ما تزال في منحى تصاعدي، رغم تحسن بعض المؤشرات الماكرو اقتصادية.
ويذهب عدد من الخبراء إلى أن معالجة هذا الوضع لا يمكن أن تقتصر على انتظار انخفاض أسعار النفط في الأسواق العالمية، بل تستدعي إصلاحات هيكلية تشمل تعزيز المنافسة داخل سوق المحروقات، وتقوية آليات الشفافية في احتساب الأسعار، وتوسيع المخزون الاستراتيجي الوطني، إلى جانب تسريع الاستثمار في الطاقات المتجددة والبدائل النظيفة لتقليص الارتهان للنفط المستورد.
كما يطرح الملف مجدداً سؤالاً حول ضرورة إحياء آليات لحماية الفئات الأكثر هشاشة من تقلبات أسعار الطاقة، سواء عبر دعم النقل العمومي أو اعتماد إجراءات تستهدف القطاعات الأكثر تأثراً، بما يحد من انتقال كلفة الوقود إلى أسعار السلع الأساسية.
وفي المحصلة، لا تبدو الزيادة الأخيرة في أسعار المحروقات حدثاً ظرفياً، بل تعكس استمرار هشاشة النموذج الطاقي المغربي أمام الأزمات الدولية.
وبين تبريرات السوق العالمية ومطالب المواطنين بمزيد من الشفافية والرقابة، يبقى التحدي الأكبر هو بناء سياسة طاقية تقلص من تبعية المغرب للخارج، وتضمن توازناً بين متطلبات الاقتصاد وحماية القدرة الشرائية، حتى لا تتحول كل أزمة دولية إلى عبء جديد على جيب المواطن المغربي.
يمكن أيضاً إعداد تحقيق استقصائي موسع يتناول أرباح شركات توزيع المحروقات، وتطور هوامش الربح منذ تحرير الأسعار، ومقارنة أسعار الوقود في المغرب مع إسبانيا والبرتغال والجزائر وتونس، مدعوماً بالأرقام والرسوم البيانية، ليكون مناسباً للنشر الصحفي المتخصص.





