من 13% إلى 9.5%.. هل انخفضت البطالة في المغرب أم تغيّر فقط مقياسها؟

الرباط: المهدي الجرباوي

من 13 في المائة إلى 9.5 في المائة.. خلال فترة زمنية قصيرة نسبياً، وجد المغاربة أنفسهم أمام رقمين مختلفين للبطالة، صادرين عن مؤسستين عموميتين يفترض أن تقدما صورة دقيقة وموثوقة عن الوضع الاقتصادي والاجتماعي للبلاد.

رقم أول ورد في التقرير السنوي لبنك المغرب، الذي قدمه والي البنك إلى الملك محمد السادس، ويضع البطالة في حدود 13 في المائة، ورقم ثانٍ جاءت به المندوبية السامية للتخطيط ضمن نتائج الجيل الجديد من بحث التشغيل، ليهبط بالمعدل إلى 9.5 في المائة خلال الفصل الثاني من سنة 2026.

المفارقة هنا ليست في اختلاف رقمين فحسب، وإنما في اتساع الفارق بينهما، بما يكفي لطرح سؤال أكثر عمقاً: هل تحسن سوق الشغل المغربي فعلاً بهذه السرعة، أم أن المغرب أصبح يقيس البطالة بطريقة مختلفة؟
المندوبية السامية للتخطيط دخلت منذ سنة 2026 مرحلة جديدة من خلال “البحث الجديد حول القوى العاملة” (EMO2026)، وهي مقاربة إحصائية جديدة تقول المؤسسة إنها تهدف إلى تحسين قياس النشاط والتشغيل والبطالة.

وبالتالي، فإن رقم 9.5 في المائة لا ينبغي التعامل معه باعتباره امتداداً آلياً للأرقام السابقة، خصوصاً أن المندوبية نفسها تنبه إلى أن نتائج الجيل الجديد ليست قابلة للمقارنة المباشرة مع السلسلة السابقة بالبساطة نفسها.
لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الأرقام الإحصائية إلى رسائل سياسية واقتصادية متناقضة.

فبالنسبة للمواطن الذي يحمل شهادة ويبحث منذ أشهر أو سنوات عن فرصة عمل، أو للشاب الذي خرج من الجامعة ولم يجد مكاناً في سوق الشغل، فإن السؤال ليس بأي معادلة إحصائية تم احتساب البطالة، وإنما هل توجد فعلاً فرص عمل مستقرة وذات دخل يحفظ الكرامة؟
هنا يظهر الفرق بين “البطالة الإحصائية” و”الإحساس الاجتماعي بالبطالة”.

فقد يكون شخص ما خارج فئة العاطلين وفق التعريف الإحصائي لأنه لم يعد يبحث عن عمل، أو لأنه أصبح غير نشيط اقتصادياً، بينما يظل في الواقع بعيداً عن سوق الشغل وعن أي مصدر قار للدخل.

والمندوبية نفسها تشير، في تحليلها لوضعية الشباب خارج التعليم والتكوين والعمل، إلى أن نسبة مهمة من الشباب غير النشيطين توجد في وضعية عدم نشاط وليس بالضرورة في خانة البطالة وفق التعريف التقليدي.

وهذا التفصيل مهم جداً، لأن انخفاض معدل البطالة لا يعني تلقائياً ارتفاعاً مماثلاً في التشغيل الجيد. فقد ينخفض عدد العاطلين بينما يظل جزء من السكان خارج قوة العمل، أو ينتقل بعض الباحثين عن العمل من خانة “العاطلين” إلى خانة “غير النشيطين”. لذلك فإن قراءة رقم البطالة منفرداً قد تعطي صورة وردية أكثر مما يسمح به الواقع الاجتماعي.

وفي المقابل، لا يمكن أيضاً إسقاط مصداقية رقم 9.5 في المائة لمجرد أنه أقل من رقم بنك المغرب. فالمندوبية هي الجهة الوطنية المتخصصة في إنتاج الإحصاءات المتعلقة بسوق الشغل، وهي تعتمد في هذا المجال على بحث مخصص لقياس النشاط والتشغيل والبطالة وفق توصيات مكتب العمل الدولي.

لكن ما يحتاج إلى تفسير واضح هو: لماذا أصبح الرقم مختلفاً بهذا الحجم؟ وما الذي تغير تحديداً في طريقة احتساب البطالة؟ وما هي الفئات التي كانت تدخل في الحساب سابقاً ولم تعد تدخل فيه اليوم؟ وهل يسمح ذلك فعلاً بمقارنة معدل 9.5 في المائة مع معدلات 12 و13 في المائة المسجلة في السنوات السابقة؟
هذه الأسئلة ليست تقنية محضة، بل لها تداعيات سياسية واقتصادية مباشرة.

فالحكومة مطالبة بتقييم سياساتها في التشغيل، والبرامج العمومية تقاس بقدرتها على خلق مناصب شغل حقيقية، والمستثمرون والمؤسسات الدولية يحتاجون إلى أرقام قابلة للمقارنة عبر الزمن.

وإذا تغيرت المنهجية، فإن الانتقال من رقم إلى آخر يحتاج إلى شرح مفصل يطمئن الرأي العام إلى أن ما تغير هو طريقة القياس، لا طريقة تقديم الواقع.
واللافت أن المعطيات الرسمية نفسها تكشف أن أزمة سوق الشغل لا تختزل في معدل البطالة. فالمندوبية تسجل تحديات مرتبطة بمعدل النشاط، وبضعف مشاركة النساء، وبالبطالة المرتفعة لدى الشباب، وبظاهرة الشباب خارج التعليم أو التكوين والعمل. كما أن معدل البطالة الوطني وفق السلسلة السابقة بلغ 13.3 في المائة سنة 2024، وهو ما يوضح أن المشكلة كانت وما تزال أعمق من مجرد رقم واحد.

من جهة أخرى، فإن التقرير السنوي لبنك المغرب ليس مجرد نشرة إحصائية منفصلة، بل يقدم قراءة للاقتصاد الوطني وسوق الشغل ضمن تقييم أوسع للأداء الاقتصادي. ولذلك فإن اختلافه عن رقم المندوبية يفتح نقاشاً ضرورياً حول توحيد الخطاب الإحصائي الرسمي، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بمؤشر شديد الحساسية مثل البطالة.

المطلوب اليوم ليس اختيار رقم وإلغاء الآخر، وإنما كشف “القصة الكاملة وراء الرقم”.
فإذا كانت البطالة قد انخفضت فعلاً إلى 9.5 في المائة، فما عدد المناصب الجديدة التي تقف وراء هذا الانخفاض؟ وما طبيعة هذه المناصب؟ وهل هي دائمة أم مؤقتة؟ وهل ارتفع معدل التشغيل بالموازاة مع تراجع البطالة؟ وماذا حدث للأشخاص الذين كانوا يبحثون عن العمل ولم يعودوا محسوبين ضمن العاطلين؟

فالاقتصاد لا يخلق فرص الشغل بمجرد تغيير طريقة احتسابها، والمواطن لا يجد عملاً لأن مؤشراً إحصائياً انخفض. المؤشر قد يتغير، لكن الحكم الحقيقي على سوق الشغل يبقى في قدرة الاقتصاد على إدماج الشباب، ورفع معدل النشاط، وتوفير وظائف مستقرة ومنتجة، وتحويل النمو الاقتصادي إلى دخل وفرص حقيقية.

وبين رقم بنك المغرب الذي يقترب من 13 في المائة ورقم المندوبية الجديد الذي ينزل إلى 9.5 في المائة، تبدو الحاجة اليوم أكثر إلحاحاً إلى تفسير رسمي واضح: هل المغرب أمام تحسن تاريخي في سوق الشغل، أم أمام تحول في طريقة النظر إلى البطالة؟.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى