الرباط بين مطرقة التعمير وسندان الرخص: هل تطيح التحقيقات الجارية برؤوس كبيرة؟

 

الرباط: إدريس بنمسعود

تعيش جماعة الرباط على وقع تحقيقات أمنية دقيقة باشرتها الفرقة الوطنية للشرطة القضائية، بعدما استمعت إلى عدد من المسؤولين الإداريين ضمن قسم التعمير وقسم الرخص، في سياق تحقيقات تتعلق بتدبير ملفات حساسة يشتبه في أن مسارها شابته تجاوزات قانونية أو تلاعبات إجرائية.

ووفقًا لمصادر خاصة أوردها موقع “إستثمار”، فإن أسئلة المحققين انصبت على مسطرة الترخيص، بدءًا من لحظة وضع الطلب وصولًا إلى مرحلة الموافقة أو التسوية، وسط حالة من التحفظ داخل المجلس الجماعي، تعكس توترًا مكتومًا يخفي وراءه أكثر مما يصرح به.

التعمير في قلب العاصفة: إشكالية بنيوية أم فساد مقنّع؟

ما يثير الانتباه في هذا التحقيق، أنه لا يأتي معزولًا عن سياق أوسع يتمثل في تصاعد الانتقادات حول تدبير الشأن المحلي في العاصمة على عهد الرئيسة الجديدة، وخصوصًا ما يتعلق بملفات التعمير التي تُعتبر من أكثر القطاعات عرضة للفساد الإداري والزبونية السياسية. فالتعمير، تاريخيًا، شكّل حقلًا خصبًا لتداخل المصالح بين المنعشين العقاريين، والمنتخبين، والبيروقراطية المحلية.

وتعيد هذه التطورات إلى السطح قضية “المطعم الشهير” الذي تم تسوية وضعيته في ظروف وصفت بـ”الغامضة”، ما أثار موجة من التساؤلات حول معايير الإنصاف والمساءلة في منح الرخص وتسوية المخالفات، في وقت يُفترض فيه أن العاصمة تمثل واجهة الشفافية والصرامة الإدارية.

حالة الرباط: انعكاس لأزمة الحكامة الحضرية في المغرب

تحقيقات الفرقة الوطنية قد تُفهم في سياق رغبة رسمية في إعادة ضبط بوصلة الحكامة المحلية، لكنها في الآن ذاته تسلط الضوء على هشاشة منظومة الرقابة داخل المجالس المنتخبة، وعلى ضعف آليات التتبع والمساءلة الداخلية التي غالبًا ما تُغيب المحاسبة لصالح التوافقات السياسية الهشة أو المصالح الانتخابية.

كما أن هذا الوضع لا يُعد استثناءً في المغرب، حيث شهدت مدن كبرى كطنجة، الدار البيضاء ومراكش سابقًا حملات مماثلة طالت مسؤولين محليين بتهم تتعلق بتدبير غير شفاف لملفات التعمير.

ما يثير تساؤلات حقيقية حول مدى نجاعة الإصلاحات المؤسساتية، ومدى استقلالية السلطة المحلية عن منطق المصالح الفئوية.

أزمة الثقة والمساءلة: المواطن بين الاستفهام والريبة

الأخطر في كل ما يجري هو اتساع فجوة الثقة بين المواطن والإدارة، إذ تتحول كل شبهة، حتى وإن لم تُثبت قضائيًا، إلى دليل جديد يُعمّق إحساس الناس بوجود “عدالة مزدوجة”، حيث تُطبق القوانين بصرامة على الضعفاء، وتُكيّف بمرونة مع النافذين.

فإذا ثبتت التجاوزات، فإن رؤوسًا قد تسقط في مجلس جماعة الرباط، ما سيحمل رسائل واضحة بأن الدولة ماضية في محاربة الفساد، حتى داخل المؤسسات المنتخبة. أما إذا تم طي الملف بصمت، فسيُنظر إليه كمحطة أخرى من محطات “تدبير الصمت” بدل الحسم، وسيكون ذلك ضربة موجعة لخطاب الشفافية والمساءلة الذي تتبناه الدولة في أدبياتها الرسمية.

خلاصة

التحقيق الجاري يضع أمام السلطات المغربية اختبارًا مزدوجًا: من جهة، إظهار الجدية في اجتثاث الفساد من داخل الجماعات المحلية؛ ومن جهة أخرى، تعزيز ثقة الرأي العام في أن الرقابة ليست انتقائية أو ظرفية. كما يضع المسؤولين المحليين أمام واقع جديد يُحتِّم فصل التسيير عن المصالح الشخصية والحزبية، والعودة إلى منطق الخدمة العمومية كغاية لا كوسيلة.

وفي انتظار ما ستُسفر عنه التحقيقات القادمة، والتي قد تشمل أسماء إضافية داخل دواليب الجماعة، يبقى السؤال:
هل نحن أمام لحظة تصحيحية حقيقية، أم مجرد عاصفة سياسية عابرة؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى