
تراجع صادرات السيارات يُعجّل برهان البطاريات في المغرب

الرباط: إستثمار
في وقت يشهد فيه الاقتصاد العالمي تقلبات حادة، لم يكن قطاع السيارات المغربي بمنأى عن التداعيات، حيث أعلن رياض مزور، وزير الصناعة والتجارة، عن تراجع صادرات هذا القطاع بنسبة 7% خلال الأشهر الأربعة الأولى من السنة الجارية. تراجعٌ يُنذر بتحولات عميقة في بنية السوق ويطرح أسئلة جوهرية حول قدرة الصناعة المغربية على التكيّف والصمود في وجه الأزمات.
الوزير، وخلال جلسة الأسئلة الشفهية بمجلس المستشارين، أشار إلى أن السبب الرئيسي وراء هذا التراجع يعود إلى تقلّص السوق الأوروبية، وعلى رأسها السوق الفرنسية التي سجلت انخفاضاً في مبيعات السيارات بأكثر من 25%. وهو ما يضع المغرب، المُعتمد بشكل كبير على هذا الشريك التجاري، في موقف يستوجب إعادة التموقع الاستراتيجي.
ردّ الفعل الحكومي لم يتأخر، إذ كشف مزور عن شروع وزارته، إلى جانب كاتب الدولة المكلف بالتجارة الخارجية، في بلورة تصور جديد يهدف إلى تنويع الأسواق الدولية المستقبلة للمنتجات المغربية. “نصدر اليوم إلى حوالي 70 دولة، ونسعى للوصول إلى ما بين 95 و100 دولة مستقبلاً”، يقول الوزير، مشدداً على أن هذا التوجه ليس ترفاً اقتصادياً، بل ضرورة استراتيجية لتقليص المخاطر المرتبطة بتركيز الصادرات في أسواق تقليدية تمرّ بأزمات هيكلية.
ورغم الظرفية الصعبة أبدى المسؤول الحكومي تفاؤلاً بمستقبل القطاع، معوّلاً على التحوّل العالمي نحو السيارات الكهربائية والهجينة. فالمغرب، بحسب مزور، بصدد تعزيز قدرته الإنتاجية التي بلغت حالياً 700 ألف سيارة سنوياً، مع تطلعات لبلوغ سقف المليون سيارة مع نهاية السنة. ويشكّل الانتقال إلى إنتاج السيارات الكهربائية أحد أعمدة هذا التحوّل، إذ يُتوقع أن تبلغ الطاقة الإنتاجية في هذا المجال 107 آلاف سيارة كهربائية قبل نهاية 2025.
لكن الرهان الأكبر يظل في عمق سلسلة القيمة: صناعة البطاريات. المغرب، كما يؤكد الوزير، في طريقه ليكون من بين خمس دول فقط في العالم تتوفر على سلسلة إنتاج متكاملة للبطاريات بنسبة إدماج صناعي تصل إلى 70%. وقد بدأ فعلاً في تصدير المواد الأساسية لهذه الصناعة قبل ستة أشهر، مع جدول زمني طموح للوصول إلى تصنيع “خلية البطاريات” في منتصف 2026.
التوصيات البرلمانية، خصوصاً من الفريق الاستقلالي، دفعت نحو مزيد من السيادة الصناعية، عبر التأكيد على ضرورة تصنيع كل مكونات السيارات الكهربائية داخل الوطن، في ظل ما يشهده العالم من اختلالات في سلاسل التوريد وارتفاع كلفة النقل. وهو ما يتقاطع مع التوجه الحكومي لتوطين أعمق للصناعات، وتطوير وسائل إنتاج مرنة قادرة على امتصاص صدمات السوق، دون التفريط في جودة المنتوج أو القدرة التنافسية.
التراجع المُسجّل في صادرات السيارات لا يجب أن يُقرأ فقط كمعطى سلبي، بل كمؤشر إنذاري على مفترق طرق حاسم يواجه القطاع الصناعي المغربي: إما الاستمرار في نموذج تقليدي هشّ، أو اغتنام اللحظة لتحصين موقعه في خريطة الصناعة العالمية، من خلال تنويع الأسواق، واستيعاب التحولات التكنولوجية، وتوطين أكبر للمعرفة والصناعة.
وفي زمن تسوده الاضطرابات الجيو-اقتصادية، يبدو أن “رهان البطاريات” قد لا يكون مجرد خيار صناعي، بل ورقة استراتيجية لبناء نموذج اقتصادي أكثر استقلالية وقدرة على التنافس في الأسواق المستقبلية.





