عيد الأضحى بين ذاكرة الإلغاء وشبح الغلاء

الرباط: حسن الخباز

يعود موسم الأضاحي هذه السنة محمّلاً بتناقض واضح بين ذاكرة قريبة طبعها قرار إلغاء العيد حفاظاً على القطيع الوطني، وواقع جديد تحكمه حسابات السوق والقدرة الشرائية.

فبينما كان الهدف في السنة الماضية هو إنقاذ الثروة الحيوانية من الاستنزاف، يجد المستهلك نفسه اليوم أمام معادلة مختلفة: عرض متأثر بتكاليف مرتفعة، وطلب متردد ينتظر اللحظة الحاسمة.

رغم اقتراب الموعد بشهر وأيام، لا يزال الإقبال ضعيفاً نسبياً، وهو سلوك يتكرر سنوياً لكنه هذه المرة يحمل دلالات أعمق. فالتريث لم يعد فقط خياراً لتفادي الزحام، بل تحول إلى استراتيجية ترقب لأسعار غير مستقرة. في المقابل، يفضل جزء آخر من الأسر الشراء المبكر كآلية لتفادي موجة الغلاء التي غالباً ما تبلغ ذروتها في الأيام الأخيرة، ما يعكس انقساماً واضحاً في سلوك المستهلك بين من يغامر بالانتظار ومن يسعى لتقليل المخاطر.

على مستوى العرض، تبدو الصورة أكثر تعقيداً. فالكسّابون يخرجون من موسم صعب استنزفت فيه كلفة الأعلاف المرتفعة والجفاف، قبل أن تزيد التساقطات والفيضانات في بعض المناطق من حجم الخسائر. هذه العوامل تجعل من فرضية ارتفاع الأسعار منطقية من زاوية المنتج، الذي يسعى لتعويض جزء من خسائره.

لكن هذه القراءة تصطدم برأي شريحة من المواطنين ترى أن الزيادات مبالغ فيها، وتحمّل الوسطاء مسؤولية تضخيم الأسعار أكثر من كونها نتيجة مباشرة للتكاليف.

هنا يبرز صراع غير معلن بين ثلاث حلقات: الكساب، الوسيط، والمستهلك. فبينما يعتبر الكساب أن اللجوء إلى الوسطاء يقلص هامش ربحه، يرى المستهلك أن هؤلاء الوسطاء هم سبب رئيسي في رفع الأسعار. وفي هذا السياق، يتحول الحل المقترح—الشراء المباشر من القرى—إلى محاولة لإعادة التوازن للسوق، ولو بشكل جزئي، عبر تقليص عدد المتدخلين في سلسلة البيع.

لكن هذا الحل بدوره يطرح تساؤلات حول مدى واقعيته، خاصة بالنسبة للأسر الحضرية التي قد لا تملك القدرة اللوجستية للوصول إلى منابع الإنتاج. وهنا يظهر أن الأزمة ليست فقط في الأسعار، بل في بنية السوق نفسها، التي تفتقر إلى تنظيم يضمن شفافية أكبر وعدالة في التوزيع.

في المحصلة، تبدو التوقعات متجهة نحو ارتفاع تدريجي في الأسعار مع اقتراب العيد، مدفوعة بزيادة الطلب المتأخرة. غير أن ما يميز هذا الموسم ليس فقط احتمال الغلاء، بل أيضاً الوعي المتزايد لدى المستهلك، الذي لم يعد متلقياً سلبياً، بل فاعلاً يحاول التكيف مع سوق متقلب، ولو عبر خيارات محدودة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى