
تقرير مؤشر السرية المالية يضع المغرب في مفارقة لافتة بين الشفافية الهيكلية وثغرات غسل الأموال

الرباط: إستثمار
كشف تقرير مؤشر السرية المالية لعام 2025، الصادر عن شبكة العدالة الضريبية البريطانية (Tax Justice Network)، عن مفارقات لافتة في تصنيف المغرب ضمن خريطة الاقتصاد العالمي من حيث شفافية المعاملات المالية ومدى قدرة الدول على حماية أو كشف الأنشطة المشبوهة.
فقد حلّ المغرب في الرتبة 63 من أصل 141 دولة، بمعدل سرية مالية بلغ 69%، ما يضعه في موقع وسط بين انفتاح مؤسساتي جزئي، وثغرات قائمة في محاربة التهرب الضريبي وتبييض الأموال، رغم التقدم في بعض المؤشرات التقنية.
على المستوى المغاربي، تفوقت الجزائر بوضوح على جيرانها، بحلولها في الرتبة 33 عالميًا بمعدل سرية بلغ 77%، متقدمة على مصر (41 عالميًا)، فيما جاءت تونس في مرتبة متأخرة (110 عالميًا)، بينما غابت كل من ليبيا وموريتانيا عن التصنيف.
هذا التباين الإقليمي يكشف عن تفاوتات في قدرة الدول على ضبط حركية الأموال العابرة للحدود، وقدرتها على فرض الشفافية على المعاملات المالية، وهو ما ينعكس في سهولة التهرب الضريبي أو استغلال الثغرات لتبييض عائدات أنشطة مشبوهة.
رغم بعض نقاط الضعف فإن المغرب سجل تقدمًا ملحوظًا في مؤشرات محددة أبرزها حصوله على درجة 100% في شفافية الشركات ذات المسؤولية المحدودة، ما يعني أن المملكة تُلزم هذه الشركات بتسجيل مالكيها الحقيقيين ونشر بياناتها المالية السنوية، وهي خطوة تُعد حيوية في الحد من استخدام المقاولات كواجهات لغسيل الأموال أو إخفاء ثروات ناتجة عن أنشطة غير قانونية.
كما حصل المغرب على معدل 80% في مؤشر الامتثال الضريبي، ما يدل على امتلاكه بنية تنظيمية قادرة نظريًا على تعقب الأنشطة الضريبية المعقدة، وهي نقطة تُحسب له مقارنة بدول عديدة في المنطقة.
في المقابل كشف التقرير عن مستوى مقلق في مؤشرات أخرى، من بينها مؤشر مكافحة غسيل الأموال، حيث لم يحصل المغرب سوى على 45 نقطة من أصل 100، وهو ما يُظهر محدودية قدرته على تفعيل توصيات مجموعة العمل المالي الدولية (FATF)، المكلفة بمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.
أما في ما يتعلق بالسرية المصرفية، فقد سجل المغرب معدل 57%، مما يضعه في منطقة رمادية، تعكس تباينًا بين جمع المعلومات المصرفية وقدرة السلطات على الوصول إليها، ومدى تطبيق العقوبات بحق من يخرق القوانين المتعلقة بالشفافية البنكية.
وعلى خلاف الانطباع السائد، لم تتصدر سويسرا أو دول الملاذات الضريبية المعروفة قائمة السرية المالية، بل جاءت الولايات المتحدة في المركز الأول عالميًا، بدرجة سرية بلغت 69%، تليها سويسرا (75%) وسنغافورة (68%). وهو ما يعيد طرح تساؤلات حول المعايير المزدوجة في ممارسات الرقابة المالية العالمية.
تعكس نتائج مؤشر 2025 واقعًا مزدوجًا في الحالة المغربية: تقدم على مستوى الشفافية المؤسسية وبعض الجوانب التنظيمية، مقابل هشاشة في مواجهة شبكات التبييض الدولية وتعقب الأموال غير المشروعة. وهو ما يفرض على السلطات المالية والرقابية تكثيف جهودها لتضييق فجوة الثقة، وتعزيز الشفافية البنكية، خاصة في ظل تزايد الاعتماد على أدوات التمويل البديل والرقمي.





