المدارس الخاصة بين فوضى الأسعار وصمت الوزارة: هل سيتم تسليع التعليم الخاص في المغرب؟

الرباط: إستثمار

يتجدد الجدل بالمغرب حول التعليم الخصوصي مع كل موسم دراسي، لكن هذه المرة يبدو أن الأزمة تأخذ منحى أكثر حدّة. فقد دخل آباء وأولياء التلاميذ في مواجهة جديدة مع مؤسسات التعليم الخاص، عقب إشعارهم بزيادات مفاجئة في رسوم التمدرس والتسجيل، دون استشارة أو تبرير مسبق.

في مدينة تطوان مثلاً، أثارت إحدى المدارس موجة غضب بعدما أعلنت عن زيادة مزدوجة بقيمة 200 درهم في كل من رسوم التسجيل والتمدرس، ما دفع بعض الأسر إلى التهديد بمقاطعة أداء مستحقات شهر يونيو، واصفين القرار بـ”الظالم والتعسفي”.

ما يجري لا يمكن فصله عن تحول التعليم الخاص إلى قطاع شبه تجاري في غياب إطار قانوني صارم يضبط أسعار الخدمات التعليمية. فالمؤسسات، وفق تصريح رئيس رابطة التعليم الخاص، تعتبر نفسها غير ملزمة بتبرير أي زيادات، مستندة إلى أن التعليم الخصوصي “اختياري” وليس إجبارياً، وأن الأسر يمكنها اختيار المؤسسة أو مغادرتها.

لكن هذه المقاربة تُواجه بانتقادات واسعة من فيدرالية أولياء التلاميذ، التي تطالب بإخضاع أي زيادة لمبدأ الشفافية وربطها بتحسين ملموس في جودة التعليم والخدمات المقدمة.

رئيس الفيدرالية، نور الدين عكوري، شدد في تصريح إعلامي على أن “الزيادات العشوائية والمتكررة تُربك ميزانيات الأسر، وتضع العلاقة بين الأسر والمؤسسات في مسار تصادمي غير تربوي”.

في بلدان كثيرة لا يُترك تحديد أسعار التعليم الخاص لمزاج السوق وحده. فمثلاً في فرنسا وكندا، تخضع المؤسسات الخاصة التي تقدم خدمات تعليمية لمراقبة حكومية دقيقة، تشمل الشفافية في الأسعار وربطها بخدمات حقيقية مضافة. أما في المغرب، فالوزارة الوصية، بحسب الفاعلين، تكتفي بإدارة الجوانب التربوية، وتتنصل من ضبط الجانب المالي، رغم ما يخلفه من فوضى واحتقان اجتماعي متكرر.

الخطير في الأمر أن هذه الزيادات تُفرض دون مراعاة للوضع الاقتصادي الراهن الذي تعيشه الأسر المغربية، وسط ارتفاع تكاليف المعيشة وتدهور القدرة الشرائية. والمؤسسات التي لا تواكب هذا السياق بحس اجتماعي، تساهم في توسيع فجوة الثقة بينها وبين المجتمع، بل وتكرّس التفاوتات الطبقية في الوصول إلى تعليم جيد.

من جهة أخرى، هناك إشكال بنيوي أكبر: لماذا تُجبر الأسر على اللجوء إلى القطاع الخاص أصلاً؟ أليس الأجدى إصلاح المدرسة العمومية حتى تعود خياراً أولاً لا بديلاً مضطراً؟

ما يحدث اليوم يعيد طرح سؤال جوهري: هل تحول التعليم في المغرب إلى “سلعة حرة” تُعرض في السوق وتخضع لمنطق العرض والطلب دون رقيب؟ أم أن الوقت قد حان لتأطير القطاع الخاص ضمن رؤية وطنية تضمن حق التعلم للجميع بجودة متساوية، بعيداً عن استنزاف جيوب المواطنين؟

فإذا كان التعليم حقاً دستورياً فإن ترك مصيره لأهواء السوق يضرب هذا الحق في العمق. لذلك، على الدولة أن تخرج من موقف المتفرج وتُبادر إلى وضع قانون ملزم ينظم العلاقة بين الأسر والمدارس الخاصة، بما يكفل التوازن بين حرية الاستثمار والعدالة الاجتماعية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى