
الدار البيضاء تتربع على عرش المدن المغربية وتقود ست مدن إلى نادي الـ50 الكبار في إفريقيا
الدارالبيضاء: إستثمار
في نسخة 2026 من «مؤشر المدن العالمية» الصادر عن مؤسسة «أوكسفورد إيكونوميكس»، لم تكن الدار البيضاء مجرد مدينة مغربية ضمن التصنيف، بل كانت العنوان الأبرز للحضور المغربي في سباق تنافسي يضم ألف مدينة من مختلف أنحاء العالم. فقد احتلت العاصمة الاقتصادية المرتبة السادسة إفريقيا والـ384 عالميا، لتؤكد مرة أخرى أنها ليست فقط قاطرة الاقتصاد الوطني، بل أيضا المدينة المغربية الأكثر قدرة على جذب الانتباه في مؤشرات التنافسية الحضرية.
وجاء هذا الترتيب ليعزز مكانة الدار البيضاء في مقدمة المدن المغربية، ويضعها في موقع متقدم ضمن المشهد الإفريقي، رغم أن طموحها العالمي ما زال يفرض عليها تحديات كبيرة للاقتراب من قائمة أفضل 200 مدينة في العالم.
ولم تكن الدار البيضاء وحدها حاضرة في هذا التصنيف، إذ كشف المؤشر عن حضور قوي لست مدن مغربية ضمن قائمة أفضل 50 مدينة إفريقية، وهو العدد نفسه الذي سجلته مصر، ما يعني أن المغرب يمتلك شبكة حضرية متنوعة وقادرة على المنافسة إفريقيا.
فقد جاءت الرباط في المرتبة 445 عالميا والتاسعة إفريقيا، بينما حلت طنجة في المركز 622 عالميا، وأكادير في المرتبة 629، وفاس في المركز 655، ومراكش في المرتبة 671.
وتوزع هذه المدن بين العاصمة السياسية، والعاصمة الاقتصادية، ومدن الموانئ والصناعة، والحواضر السياحية والثقافية، ما يمنح المغرب رصيدا حاضرا في أكثر من جبهة تنموية.
ويعتمد مؤشر «أوكسفورد إيكونوميكس» على 27 مؤشرا موزعة على خمسة محاور رئيسية، تشمل الاقتصاد بنسبة 30 في المائة من التقييم النهائي، والرأسمال البشري وجودة الحياة بنسبة 25 في المائة لكل منهما، ثم البيئة والحكامة بنسبة 10 في المائة لكل محور.
وهذا يعني أن الترتيب لا يقيس حجم الاقتصاد أو عدد السكان فقط، بل يقيس أيضا قدرة المدينة على توفير حياة أفضل، واستقطاب الكفاءات، وتحسين البنية التحتية، وترسيخ الحكامة والاستدامة.
وبناء على ذلك يعكس تصدر الدار البيضاء للمدن المغربية حضورها المتقدم في مؤشرات مرتبطة بالاقتصاد والرأسمال البشري وجودة الحياة والحكامة، وهي عناصر تجعلها الأكثر جاهزية للتنافس الإفريقي، حتى وإن ظلت خارج قائمة أفضل 200 مدينة عالميا.
وعلى الصعيد الإفريقي تصدرت القاهرة الترتيب باحتلالها المركز 255 عالميا، تلتها أكرا في المرتبة 302، ثم بورت لويس في المركز 305، بينما جاءت نيروبي رابعة والجزائر خامسة.
أما عالميا فحافظت نيويورك على المركز الأول، متقدمة على لندن وباريس، في مشهد يؤكد أن المدن الكبرى تظل قطب الجذب الأول للاستثمار والكفاءات والابتكار.
وبين هذا المشهد العالمي والترتيب الإفريقي، تبدو الدار البيضاء في موقع مزدوج: فهي قوية إفريقيا، لكنها ما زالت في منتصف الطريق عالميا، وهو ما يطرح سؤالا مركزيا حول كيفية تحويل هذا الحضور إلى مكاسب ملموسة في الاقتصاد والخدمات وجودة العيش.
إن حضور ست مدن مغربية ضمن أفضل 50 مدينة إفريقية ليس مجرد رقم في تصنيف دولي، بل مؤشر على أن المغرب راكم تجربة حضرية متعددة الأقطاب، تجمع بين المال والأعمال في الدار البيضاء، والحكامة والمؤسسات في الرباط، واللوجستيك والموانئ في طنجة، والسياحة والفلاحة في أكادير، والتراث والصناعة التقليدية في فاس ومراكش.
لكن هذا التعدد رغم أهميته يفرض تحديات تتعلق بتقليص الفوارق بين المدن، وتعميم البنية التحتية الحديثة، وتحسين النقل والخدمات الصحية والتعليمية، وتعزيز الاستدامة البيئية، في المدن الكبرى التي تعرف ضغطا سكانيا وعمرانيا متزايدا.
وبقدر ما يمنح هذا التصنيف المغرب موقعا متقدما في خريطة المدن الإفريقية فإنه يذكره أيضا بأن المنافسة العالمية لا ترحم. فالمدن التي تتصدر مؤشرات «أوكسفورد إيكونوميكس» ليست فقط مدنا غنية، بل مدنا قادرة على تجديد نفسها، واستقطاب المواهب، وتوفير بيئة حضرية آمنة ومستدامة.
ومن هنا، يصبح تصدر الدار البيضاء للمدن المغربية نقطة انطلاق لا خط نهاية. فالمطلوب اليوم ليس فقط الحفاظ على المرتبة، بل تحويلها إلى فرص عمل، واستثمارات نوعية، ومشاريع كبرى، وجودة حياة تليق بسكان المدن المغربية.
وهكذا، يظل مؤشر المدن العالمية 2026 مرآة تكشف عن تقدم المغرب في المشهد الحضري الإفريقي، وعن حجم الطموح الذي ما زال ينتظره عالميا. فالدار البيضاء، بما تمثله من ثقل اقتصادي ورمزي، تقود اليوم ست مدن مغربية نحو نادي الكبار إفريقيا، لكن السباق الأصعب يبدأ بعد هذا التصنيف: سباق التنفيذ، والإصلاح، والاستدامة، وقبل كل ذلك، قدرة المدينة على أن تكون فضاء للفرص والحياة الكريمة لجميع سكانها.





