تبادل الاتهامات يكشف أزمة تدبير في مجلس العاصمة الرباط

احتقان في مجلس الرباط: هل أصبح التدبير المحلي رهينة للتراشق الحزبي؟

 

الرباط: إدريس بنمسعود

يتواصل مسلسل التوتر السياسي بمجلس جماعة الرباط، في مشهد يعكس عمق الانقسام بين مكونات الأغلبية والمعارضة، وتحديدًا بين أحزاب التحالف الحاكم ومستشاري فيدرالية اليسار، الذين باتوا يُتهمون بـ”التحريض والعبث السياسي”، في مقابل اتهامهم للأغلبية بـ”الاستبداد وطمس ملفات الفساد”.

آخر فصول هذا النزاع تجسّد في بلاغ ناري صادر عن مكونات الأغلبية، وعلى رأسها أحزاب التجمع الوطني للأحرار، الأصالة والمعاصرة، الحركة الشعبية، الاتحاد الدستوري والاستقلال، أعربت فيه عن “الأسف الشديد” لما وصفته بـ”سلوك منحرف وخارج عن الأعراف السياسية” من طرف مستشاري فيدرالية اليسار، متهمة إياهم بعدم تقديم أي اقتراحات أو بدائل عملية، والاكتفاء بـ”إثارة الضجيج وافتعال الأزمات”.

لكن هذه الاتهامات لا يمكن فصلها عن السياق الميداني المحتقن، حيث يتصاعد الاحتجاج الاجتماعي جراء قرارات هدم و”ترحيل قسري” طالت سكان أحياء شعبية مثل “حي المحيط” و”غربية العتيق”، والتي كانت محل انتقاد لاذع من طرف فيدرالية اليسار، التي رأت في ذلك مساسًا بحقوق السكان وهروبًا من الحلول التشاركية.

بلاغ الأغلبية لم يكتف بنفي الاتهامات، بل صعّد لهجته باتهام المعارضة بـ”التشويش على القضاء ومحاولة توجيه الرأي العام ببيانات مضللة”، مستنكرًا ما وصفه بـ”اللغة التحريضية المستوحاة من القاموس الأمني والحربي”، وهو ما يعكس انزلاقًا خطيرًا في الخطاب السياسي المحلي، قد يعمق فجوة الثقة بين المنتخبين والمواطنين.

في المقابل، دافعت فيدرالية اليسار عن مواقفها، معتبرة أن “محاولات إسكاتها تأتي بسبب مواقفها الواضحة من الفساد والتسيير الفردي”، مذكرة بأن أحد مستشاريها استُدعي قضائيًا بعد كشفه ما وصفته بـ”خروقات في تدبير الشأن العام المحلي”، وهو ما يعيد إلى الواجهة جدل تسييس القضاء ومحاولات ترهيب المعارضة.

الأزمة المتصاعدة تطرح أكثر من سؤال حول جودة الممارسة الديمقراطية على مستوى الجماعات الترابية، وحول مدى احترام التعددية والرأي المخالف داخل المجالس المنتخبة. كما تبرز التحديات التي تواجه المعارضة ذات التمثيلية المحدودة، في ظل تحالفات سياسية غالبًا ما تُدار بروح الهيمنة بدل الحوار.

ففي مدينة يُفترض أن تكون عنوانًا للنموذج المؤسساتي والإداري الوطني، يبدو أن الرباط تتحول شيئًا فشيئًا إلى ساحة صدام سياسي مفتوح، تعلو فيه أصوات الاتهامات أكثر من أصوات الحلول، وتتراجع فيه لغة المصلحة العامة لصالح منطق التراشق والتخوين.

بعيدًا عن البلاغات والتصريحات، ما يحدث في مجلس جماعة الرباط ليس مجرد خلاف سياسي عابر، بل تجلٍّ واضح لأزمة عميقة في فهم أدوار المنتخبين، واحترام التعددية، وتسيير الشأن المحلي بروح تشاركية. أزمة قد تنذر بفقدان مزيد من ثقة المواطنين في ممثليهم، ما لم تُستبدل لغة الصراع بلغة الإصلاح.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى