
مشاريع مهجورة وأموال مجمدة: حين تتحوّل التنمية إلى واجهة معطّلة في سلا ومدن مغربية أخرى

إستثمار: حسن الخباز
بين الطموح الملكي في تسريع وتيرة التنمية، وسلوك إداري يعيد عجلة المشاريع خطوات إلى الوراء، تعيش مدينة سلا ـ كغيرها من مدن المملكة ـ حالة من الإحباط الجماعي بسبب مشاريع تنموية ضخمة شُيّدت بأموال عمومية، لكنها لا تزال خارج الخدمة، متحولة من آمال إلى علامات استفهام كبرى. الأمر يتجاوز الفشل التقني إلى أزمة ثقة تهم الحكامة، والنجاعة، وربما حتى المحاسبة.
سلا… مدينة تنتظر منذ سنوات
تحولت مدينة سلا إلى مرآة لواقع مغربي متكرر: تدشين ملكي يُبشر بميلاد مشروع، يليه انتظار طويل، ثم صمت، فغضب شعبي. مثال واضح على هذا، “مقر المقاولات التضامنية” قرب كارفور، الذي كان من المفترض أن يكون رافعة للاقتصاد الاجتماعي، لكنّه اليوم مجرد بناية شبه مهجورة، بعد أن تم إلغاء تدشينه الملكي قبل خمس سنوات نتيجة “غضبة ملكية”، بسبب عيوب في الإنجاز رغم أن كلفته تجاوزت مليار سنتيم.
ولا يقف الأمر عند هذا المشروع. فـ”شارع السلام” بدوره دخل في لائحة الانتظارات التي لا تنتهي، رغم رصد ميزانية ضخمة لإعادة تأهيله فاقت ثلاثة ملايير سنتيم، بينما يبقى “المركز الطبي للقرب” مغلقًا منذ سنوات، بعدما تم تأجيل تدشينه الملكي ثلاث مرات دون تبرير واضح للرأي العام.
سوق الصالحين… من مشروع نموذجي إلى فضيحة قيد التحقيق
يحمل “سوق الصالحين” دلالة خاصة على عمق الأزمة: مشروع أعيد بناؤه ليكون بديلاً عن الفوضى السابقة، لكن تأجيلات تدشينه حولته إلى رمز للجمود، وانتهى به الأمر موضوعًا لتقارير الفرقة الوطنية للشرطة القضائية. من فضاء كان يفترض أن ينظم التجارة ويحفظ كرامة التجار، إلى ملف قضائي مفتوح.
صورة متكررة في مدن أخرى: من البيضاء إلى سوس
ما تعيشه سلا ليس استثناءً. ففي الدار البيضاء، مشروع تحويل سوق درب عمر إلى حي السالمية انتهى به المطاف إلى الهدم، بعد أن أصبح مهجورًا وخطيرًا على الساكنة. تم صرف الملايير دون أثر على الأرض، في مشهد يعيد طرح سؤال الحكامة الجيدة في تدبير المال العام.
حتى في مدن الجنوب، مثل أكادير، تُرصد ميزانيات ضخمة لأوراش كبرى تظل سنوات بين التجاذب الإداري والانتظارية السياسية، ما يحرم المواطن من حقه الأساسي في خدمات عمومية ناجعة.
قراءة تحليلية مقارنة: حكامة المشاريع… بين النموذج التنموي والرؤية المعطلة
يبدو أن المغرب يعيش مفارقة صارخة: من جهة، يحقق قفزات نوعية في قطاعات استراتيجية مثل صناعة السيارات والطائرات والطائرات المسيّرة (الدرون)، ويعزز مكانته في مؤشرات التنافسية الدولية؛ ومن جهة أخرى، يتعثر في توفير خدمات أساسية محلية بسبب مشاريع متعثرة لا تنقصها التمويلات، بل تنقصها الشفافية والربط بالمسؤولية.
هذا التناقض يعيد إلى الواجهة نقاش الحكامة وربط المسؤولية بالمحاسبة، كما ورد بوضوح في تقرير اللجنة الخاصة بالنموذج التنموي، والذي شدد على ضرورة ضمان استمرارية المشاريع، وخلق آليات تتبع فعالة، وتحرير المشاريع من البيروقراطية القاتلة.
أموال نظيفة… تُحتجز بلا مبرر
ما يثير الغضب المجتمعي، أن هذه المشاريع تمول من “أموال نظيفة”، حسب تعبير الفعاليات الجمعوية: ضرائب المواطنين، واستثمارات الدولة، ومساهمات شركاء دوليين. لكنها تُحتجز، أو تُنفذ بشكل سيئ، أو تُهمل لأسباب غير مبررة. وبينما يَعتبر البعض أن الظاهرة هي نتيجة خلل في التنسيق، يرى آخرون أنها تعكس غياب رادع حقيقي يحاسب المسؤولين عن الفشل أو الإهمال.
الحاجة إلى تحول جذري في تدبير التنمية
في ظل هذا الواقع، تتعالى أصوات تطالب بإعادة النظر في منهجية تدشين المشاريع الكبرى، وربط ذلك بمستوى الجاهزية والتنفيذ بدل التسرع في الإعلان عنها. كما تقترح بعض الفعاليات تحويل جزء من تلك الميزانيات إلى مشاريع إنتاجية صغيرة أو برامج للدعم المباشر للفئات الهشة، بدل أن تبقى رهينة للبيروقراطية، أو تتحول إلى أطلال إسمنتية.
مشاريع معلقة وملايير مجمدة، وساكنة تنتظر. ما يحدث في سلا، والبيضاء، ومدن أخرى، هو اختبار حقيقي لمدى قدرة المغرب على التوفيق بين طموحه التنموي وإصلاح منظومة تدبير المشاريع العمومية. وفي زمن الرقمنة والشفافية، لم يعد المواطن يرضى بالشعارات، بل يريد مشاريع قابلة للاستعمال، تلامس حياته اليومية، وتستثمر أمواله حيث يستحق.
هل سيشهد المغرب لحظة حزم جديدة تعيد ترتيب أولويات التنمية؟ الجواب بيد من يملكون القرار، وأمام أعين شعب بدأ يفقد صبره.





