بين الارتفاع الطفيف والانهيارات الحادة.. ماذا تخفي بورصة الدار البيضاء في افتتاحيتها؟

الرباط: إستثمار

في مشهد يتكرر مع كل افتتاحية أسبوعية، استهلت بورصة الدار البيضاء تداولاتها اليوم الثلاثاء على وقع اللون الأخضر الذي يبعث التفاؤل في نفوس المستثمرين، لكن التأمل في الأرقام يكشف عن واقع أكثر تعقيداً مما تبدو عليه المؤشرات السطحية.

فمؤشر “مازي” الرئيسي سجل ارتفاعاً طفيفاً جداً بنسبة 0,12 في المائة ليستقر عند 17.896,94 نقطة، وهو ما يعكس حالة من الترقب والحذر تسود أروقة البورصة أكثر مما تعكس تفاؤلاً حقيقياً بدفع قوي، وهذا الأداء المتواضع يأتي في سياق تداولات افتتاحية غالباً ما تكون مضللة ولا تعبر عن اتجاهات السوق الحقيقية التي تتضح مع منتصف الجلسة أو نهايتها.

وإذا كانت مؤشرات الأداء العام تبدو في المنطقة الخضراء، فإن القراءة التحليلية للتفاصيل تكشف عن تناقضات مثيرة للاهتمام، فمؤشر MASI.20 الذي يعكس أداء أكبر 20 مقاولة مدرجة بالبورصة سجل تراجعاً طفيفاً بنسبة 0,03 في المائة إلى 1.320,24 نقطة، وهذا التراجع الضئيل لكنه دال، فهو يشير إلى أن الشركات الكبرى والرائدة في السوق لم تستطع الصمود في وجه ضغوط بيعية خفيفة، وهو ما يطرح تساؤلات حول قوة الدفع الصاعد الذي تبديه المؤشرات العامة.

في المقابل سجل مؤشر MASI.ESG الخاص بالمقاولات الحاصلة على أفضل تصنيف في مجال الحوكمة البيئية والاجتماعية والمؤسساتية تقدماً بنسبة 0,21 في المائة إلى 1.281,96 نقطة، وهو أداء أفضل نسبياً يعكس ربما توجهاً متزايداً للمستثمرين نحو الأسهم المستدامة والأكثر التزاماً بمعايير المسؤولية المجتمعية، وهو اتجاه عالمي بدأ يجد طريقه إلى البورصة المغربية بقوة متزايدة.

أما مؤشر MASI Mid and Small Cap الخاص بأسعار المقاولات الصغيرة والمتوسطة فسجل زيادة بنسبة 0,16 في المائة إلى 1.770,02 نقطة، وهو ما يعكس حركة إيجابية في هذا القطاع الحيوي الذي يمثل العمود الفقري للاقتصاد المغربي من حيث خلق فرص الشغل والابتكار.

لكن الأكثر دلالة على حقيقة ما يحدث في السوق هو تباين الأداء على مستوى القيم الفردية، حيث تصدرت شركة “فيني بروسيت” قائمة الأكثر ارتفاعاً بنسبة 3,68 في المائة إلى 310 دراهم، متبوعة بـ”أليانس” بنسبة 2,36 في المائة إلى 375 درهماً، والبنك العقاري والسياحي بنسبة 2,30 في المائة إلى 349,45 درهماً، وهذه الارتفاعات في أسهم شركات من قطاعات مختلفة تعكس انتقائية المستثمرين الذين يبحثون عن فرص محددة بدلاً من الانخراط في موجة صاعدة شاملة.

في الطرف المقابل من الطيف، سجلت انخفاضات حادة وقوية تستحق التوقف عندها طويلاً، فشركة “مجموعة إم 2 إم” تصدرت قائمة الخاسرين بنسبة انخفاض بلغت 6,09 في المائة إلى 370 درهماً، وهو تراجع حاد يعكس ربما أخباراً سلبية خاصة بالشركة أو تخلي مستثمرين كبار عن مراكزهم فيها، تلتها “الشركة المغاربية للنقديات” بخسارة 4,35 في المائة إلى 440 درهماً، ثم “إنفوليس” بنسبة 3,94 في المائة إلى 122 درهماً، وهذه الانخفاضات الحادة في أسهم شركات معروفة تطرح علامات استفهام حول الأسباب الكامنة وراءها.

هل هي بسبب نتائج مالية مخيبة للآمال، أم بسبب عمليات جني أرباح من قبل مستثمرين استراتيجيين، أم بسبب تغيرات هيكلية في هذه القطاعات؟ النص الرسمي لا يقدم أي إجابة، لكن الواضح أن هناك حركة تصحيح عنيفة تطال بعض الأسهم بينما أسهم أخرى تحافظ على مكاسبها، وهو ما يعكس سوقاً غير متجانسة تعيش تحولات عميقة.

من المهم وضع هذه التداولات في سياقها الأوسع، فمؤشر “مازي” كان قد أنهى تداولات اليوم الإثنين الماضي على ربح بنسبة 0,18 في المائة، وهو أداء مشابه جداً لأداء اليوم الثلاثاء، مما يشير إلى أن السوق تعيش حالة من الاستقرار النسبي عند مستويات قياسية مرتفعة، وهذا الثبات قد يكون إيجابياً إذا دل على نضج السوق وقدرته على الاحتفاظ بمكتسباته، وقد يكون سلبياً إذا دل على حالة من الجمود وغياب المحفزات القادرة على دفع المؤشرات نحو مستويات جديدة.

وفي كل الأحوال، يبقى السؤال الأكثر إلحاحاً: هل هذه المؤشرات الضئيلة الحركة تعكس فعلاً حالة من التفاؤل الحذر، أم أنها مجرد صورة سطحية تخفي تحتها تطورات أكثر جوهرية في هيكل السوق وتوزيع الثروة بين القطاعات والشركات؟

إن قراءة حركة البورصة المغربية اليوم تتطلب أكثر من مجرد تتبع الأرقام، فهي تحتاج إلى تحليل معمق لاتجاهات الاستثمار المؤسساتي، وسياسات البنك المركزي النقدية، وتطورات الاقتصاد الكلي على الصعيدين الوطني والدولي،.

ففي وقت تشهد فيه الأسواق العالمية تقلبات حادة بسبب التوترات الجيوسياسية وتغير أسعار الفائدة وتقلبات أسعار المواد الأولية، تبدو بورصة الدار البيضاء وكأنها تسير في مسار مستقل نسبياً، وهذا الاستقلال قد يكون نعمة إذا حمى السوق من الصدمات الخارجية، وقد يكون نقمة إذا عزل السوق عن التدفقات الاستثمارية العالمية الوافدة التي تبحث عن فرص في الأسواق الناشئة.

ولعل ما يحسم الأمر في الأيام القادمة هو مدى قدرة الشركات المدرجة على تقديم نتائج مالية قوية تفوق توقعات المحللين، وقدرة الحكومة على توفير مناخ استثماري مشجع يحافظ على ثقة المستثمرين المحليين والأجانب على حد سواء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى