
بيتاس في مواجهة العوالمة: عندما يتعثر الخطاب الرسمي أمام مهنية الصحافة
الرباط: إستثمار
تحولت المواجهة الحوارية بين الناطق الرسمي باسم الحكومة، مصطفى بيتاس، والصحفي نوفل العوالمة، مقدم برنامج على قناة ميدي1 تيفي، إلى حدث سياسي وإعلامي لافت تجاوز حدود النقاش العابر، ليكشف مرة أخرى عن أزمة عميقة في تواصل الحكومة مع الرأي العام، وعن حساسية رسمية مفرطة تجاه الأسئلة الصحفية الجريئة.
القصة بدأت حين طرح العوالمة سؤالاً مباشراً على بيتاس خلال اللقاء، مفاده أن “حركة جيل زيد ترفض التحاور مع الحكومة الحالية وقد رفعت رسالة إلى جلالة الملك تطالب فيها بحل حكومة عزيز أخنوش”.
سؤال مشروع، مهني، ومتداول في الفضاء الإعلامي والسياسي، لكنه بدا كأنه أثار حفيظة الناطق الرسمي الذي ردّ بنبرة وُصفت على نطاق واسع بأنها استفزازية ومتعالية، قائلاً:
> “هل أنت ناطق رسمي باسم حركة جيل زيد؟ أنا لم أسمع بهذا الخبر!”.
ردّ بيتاس لم يكن مجرد محاولة للتشكيك في السؤال، بل بدا كأنه محاولة لجرّ الصحفي إلى موقع دفاعي، في أسلوب يُذكّر بثقافة التهديد المعنوي بدل الانفتاح على النقاش.
الصحفي يردّ بمهنية… والحوار ينقلب على الوزير
ردّ العوالمة جاء هادئاً ومتزناً، ليعيد الأمور إلى نصابها قائلاً:
> “أنا لا أنتمي إلى جيل زيد، ولست ناطقاً باسمهم، أنا صحفي أشتغل في قناة ميدي 1 تيفي، وأحاورك بمهنية لنقل الحقيقة للمواطن.”
كان ذلك الرد القصير كافياً ليُبرز الفارق في الوعي المهني بين من يملك سلطة الكلمة ومن يحمل مسؤولية المعلومة.
فبينما حاول بيتاس حصر النقاش في شكل السؤال، نجح العوالمة في إعادة النقاش إلى جوهره: حق الصحافة في السؤال، وواجب الحكومة في الجواب.
بيتاس… ناطق باسم حكومة لا تسمع؟
المفارقة الصادمة أن بيتاس، وهو الناطق الرسمي باسم الحكومة، أعلن أنه “لم يسمع بالخبر”، رغم أن حديث حركة “جيل زيد” عن رفض الحوار مع الحكومة ورفعها رسالة إلى الملك كان متداولاً على نطاق واسع في وسائل الإعلام الوطنية والدولية.
وهنا يطرح المتابعون سؤالاً مشروعاً:
كيف يمكن لمسؤول حكومي مكلف بالتواصل والإخبار أن يكون آخر من يعلم بما تتناقله الصحافة والرأي العام؟
إن غياب التتبع الإعلامي عن ناطق رسمي من المفترض أن يكون قناة وصل بين الحكومة والمجتمع، يُظهر حجم الانفصال القائم بين الخطاب الرسمي والواقع الميداني، ويؤكد أن أزمة الحكومة ليست فقط في السياسات، بل في إدراكها لنبض الشارع.
سخط شعبي وتفوق مهني
المشهد الذي تابعه آلاف المغاربة على الشاشات ومواقع التواصل الاجتماعي أثار موجة من السخط الشعبي، حيث رأى كثيرون أن رد بيتاس حمل “نبرة تهديدية مبطنة” وافتقر إلى أدنى مقومات اللياقة الحوارية، في حين أشاد آخرون برباطة جأش الصحفي العوالمة الذي حافظ على هدوئه وتمسك بأخلاقيات المهنة رغم الاستفزاز.
لقد خرج الوزير من الحلقة خاسراً سياسياً وإعلامياً، في حين كسب الصحفي احترام المتابعين الذين رأوا فيه نموذجاً للصحافة المهنية التي لا تُرهبها السلطة ولا تُغريها المجاملة.
أزمة أعمق من مجرد سوء تواصل
ما جرى في ذلك الحوار ليس حادثاً عرضياً، بل صورة مكثفة لأزمة بنيوية في علاقة الحكومة بالإعلام.
فالناطق الرسمي الذي يُفترض أن يكون واجهة الحوار والانفتاح، بدا أسيراً لذهنية الدفاع والتبرير، وهو ما يعكس غياب ثقافة الإصغاء والاعتراف بالاختلاف داخل الخطاب الحكومي.
في المقابل، جسّد الصحفي نوفل العوالمة مبدأ الاستقلالية المهنية التي تضع المعلومة في صلب النقاش العام، بعيداً عن الانتماءات أو الاصطفافات.
—
حين يربح الصحفي احترام الجمهور وتفقد الحكومة ثقة الناس
في زمن تتسارع فيه الأحداث وتشتد فيه الاحتجاجات، كان من الأجدر بالحكومة أن تُصغي بدل أن تُهاجم، وتُجيب بدل أن تُشكّك.
فردّ بيتاس لم يُضعف الصحفي بقدر ما كشف عن مأزق الخطاب الرسمي في مواجهة الإعلام المستقل.
لقد خرج نوفل العوالمة منتصراً بلباقته ومهنيته، بينما ترك بيتاس الانطباع بأن الحكومة التي يتحدث باسمها لا تسمع إلا صداها، ولا ترى إلا صورتها في مرآة إعلامها الموجّه.





