
مغرب مهدَّد بالعطش: لماذا يبقى وعي المناخ أعلى من الفعل؟
الرباط: إدريس بنمسعود
يكشف استطلاع “أفروبارومتر” الأخير أن المغاربة باتوا يدركون، أكثر من أي وقت مضى، أن التغير المناخي لم يعد نقاشاً علمياً بعيداً، بل واقعاً يضغط مباشرة على جودة حياتهم. فأكثر من ثلاثة أرباع المستجوبين (78%) يؤكدون أنهم يشعرون فعلاً بآثار هذا التحول المناخي، وهي نسبة مهمة لكنها تبقى أقل مما هو مسجل في دول إفريقية أخرى، حيث يتجاوز الوعي حاجز 90% كما في زيمبابوي وزامبيا وليسوتو وموريشيوس.
وتبرز المقارنة الزمنية أن الوعي المناخي داخل المغرب شهد قفزة بـ12 نقطة مئوية بين 2016 و2025، ما يعكس تراكم التجارب القاسية التي عرفها البلد في السنوات الأخيرة، خاصة موجات الجفاف ونقص الموارد المائية. ومع ذلك، فالمغاربة الذين سمعوا عن موضوع التغير المناخي لا يتجاوزون 67%، وهو معدل أدنى بكثير من دول جزيرية مثل سيشيل (91%) وموريشيوس (83%)، حيث يعيش السكان اتصالاً مباشراً وأكثر حساسية مع التحولات المناخية.
على مستوى التأثيرات المباشرة، يبدو المغرب ضمن الدول التي تتصاعد فيها مخاطر الجفاف بشكل واضح؛ إذ أقرّ 86% من المستجوبين بأن العقد الماضي كان أكثر جفافاً، مقابل 77% فقط في تونس. وهذا يضع المغرب في خانة الدول المتضررة بشكل أكبر، وإن كانت بلدان إفريقيا الجنوبية تسجل نسباً أكثر درامية، مثل زيمبابوي (94%) وليسوتو (91%).
أما بالنسبة لمظاهر بيئية أخرى، فتبدو أقل حدّة في المغرب. فالانهيارات الأرضية لا يُبلّغ عنها سوى 18% من المغاربة، ونسبة من لاحظوا تفاقم تعرية التربة لا تتجاوز 12%، وهي أدنى نسبة في إفريقيا، مقارنة بـ69% في ليسوتو. هذا التباين يوحي بأن التهديد الرئيسي في المغرب يتمثل في الجفاف ونقص الماء، أكثر من كوارث أرضية أو جيولوجية.
إزاء هذه التحديات، يظهر أن الوعي المتزايد يقترن بالفعل بتغيير سلوك عدد كبير من المواطنين. فـ60% من المشاركين اتخذوا إجراءات للتكيّف، مثل ترشيد استهلاك الماء (34%) أو تعديل ساعات العمل في الخارج (31%)، إضافة إلى تغيير ممارساتهم الزراعية (28%). كما اضطر 20% إلى تعديل تربية الماشية، و19% إلى الانتقال نحو مناطق أخرى، ما يكشف عن بداية هجرة مناخية صامتة داخل القارة.
ورغم هذه المؤشرات، تبقى المفارقة واضحة: المغرب من أكثر الدول التي تتأثر بالجفاف، لكنه ليس من بين الدول الأكثر وعياً أو الأكثر تعبئةً تجاه الخطر. وهذا يطرح سؤالاً مركزياً: هل يكفي الوعي لتغيير السياسات والذهنيات، أم أن الفعل المناخي يحتاج إلى قفزة مؤسساتية تتجاوز ردود الفعل الفردية إلى رؤية وطنية شاملة؟
إن نتائج “أفروبارومتر” تضع المغرب ضمن خارطة إفريقيا التي تتغير مناخياً بسرعة، لكنها في الوقت نفسه تكشف تأخراً نسبياً في إدماج هذا الوعي في السياسات العامة، مقارنة بدول أخرى أدركت مبكراً حجم الخطر الذي يهدد مستقبلها البيئي والاقتصادي.





