حين تصمت الأرقام أمام الواقع… مالي تكشف هشاشة “إحصائيات” الركراكي

الرباط: إدريس بنمسعود

لم تكن مباراة المنتخب المغربي أمام نظيره المالي مجرد تعثر عابر في مسار وُصف طويلاً بالمثالي، بل جاءت كصفعة كروية أعادت النقاش إلى نقطة جوهرية: ما قيمة الأرقام حين تُختبر أمام خصم منظم، منضبط، وذو شخصية تنافسية؟ فمنتخب مالي لم يوقف فقط سلسلة النتائج الإيجابية لـ“الأسود”، بل أوقف قبل ذلك وهْم الإحصائيات الفلكية التي راكمها وليد الركراكي، والتي بلغت 19 انتصاراً، معظمها أمام منتخبات متواضعة أو فاقدة للندية الحقيقية.

الامتحان الحقيقي يبدأ دائماً حين يرتفع منسوب التحدي، وحين يواجه المنتخب المغربي خصماً من “القبعة الثانية”، لا يقل قيمة على المستوى البدني والتكتيكي، ولا يدخل المباراة بعقلية الاستسلام. هنا تحديداً، سقطت الكثير من المسلمات، وظهر منتخب “الأسود” بوجه مختلف، مفكك الخطوط، غائب
الهوية، ومتأخراً في قراءة نسق المباراة.

أكبر علامات الاستفهام سُجلت على المستوى الدفاعي، حيث كُشفت هشاشة غير مبررة في التمركز والتغطية، خصوصاً في قلب الدفاع. الخطأ الذي ارتكبه جواد الياميق داخل مربع العمليات لم يكن مجرد هفوة تقنية، بل زلة تعكس ارتباكاً ذهنياً وغياب التركيز، وهي أخطاء لا تُغتفر في مباريات من هذا المستوى، ولا تصدر عادة حتى عن لاعبين أقل تجربة على الصعيد الدولي.

ولم يكن الخلل دفاعياً فقط، بل امتد ليشمل المنظومة ككل. خط الوسط بدا مفصولاً عن الدفاع، والهجوم معزولاً عن عملية البناء، في غياب واضح للربط الجماعي والانسجام بين الخطوط.

تمريرات مقطوعة، تحركات دون توقيت، وردة فعل بطيئة أمام ضغط مالي المنظم، ما جعل المنتخب المغربي يبدو ككتلة غير متجانسة، فاقدة للروح القتالية التي ميّزته في محطات سابقة.
الأخطر من النتيجة نفسها، هو الإحساس بأن المنتخب فقد بوصلته الذهنية.

غابت الشخصية، وتراجع الإصرار، وكأن اللاعبين دخلوا المباراة وهم مثقلون بثقل الإحصائيات لا بحتمية الانتصار الميداني. كرة القدم لا تُحسم بالأرقام المتراكمة في مباريات بلا ضغط، بل تُقاس بالقدرة على التفوق حين تتساوى الكفة ويشتد الامتحان.

مباراة مالي، إذن، ليست مجرد توقف لسلسلة انتصارات، بل إنذار مبكر يفرض مراجعة شاملة. مراجعة في الاختيارات، في التركيبة الدفاعية، في طريقة تدبير المباريات الصعبة، وقبل ذلك في الخطاب الذي يُضخم الأرقام دون مساءلة سياقها. فالطريق نحو المنافسة القارية والدولية لا يُعبد بالإحصائيات، بل بالانسجام، الصلابة، والقدرة على
فرض الشخصية أمام الخصوم الأقوياء.

وإذا كان التوقف عند هذه الهزّة ضرورياً، فإن الأهم هو تحويلها إلى نقطة تصحيح، لا مجرد رقم سلبي يُضاف إلى سجل كان يبدو، إلى وقت قريب، مثالياً أكثر مما ينبغي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى