اقتصاد يخلق المقاولات أكثر مما ينقذها: أرقام رسمية تكشف نزيف الإفلاس المبكر

الرباط: إدريس بنمسعود

يقدم التقرير السنوي للمرصد المغربي للمقاولات الصغرى جدا والصغرى والمتوسطة صورة تبدو، للوهلة الأولى، مطمئنة عن حركية النسيج المقاولاتي بالمغرب، غير أن القراءة المتأنية لأرقامه تكشف مفارقة مقلقة: اقتصاد يُكثر من إحداث المقاولات، لكنه يعجز عن حمايتها من الموت المبكر. فبلوغ عدد المقاولات ذات الشخصية المعنوية في طور الحل 11 ألفا و596 مقاولة خلال سنة واحدة، بارتفاع يفوق 57 في المائة مقارنة مع 2017، ليس مجرد معطى إحصائي عابر، بل مؤشر بنيوي على خلل عميق في شروط الاستدامة والتوطيد.

هذا المنحى التصاعدي، كما تؤكده المديرة التنفيذية للمرصد أمل إدريسي، يعكس أساسا فشل شريحة واسعة من المقاولين في عبور المرحلة الأكثر حساسية في حياة المقاولة، أي مرحلة ما بعد الانطلاق. فالأغلبية الساحقة من المقاولات التي تدخل مسطرة الحل لا يتجاوز عمرها خمس سنوات، ما يطرح علامات استفهام حول فعالية منظومة المواكبة، وجودة التمويل، ومدى واقعية نماذج الأعمال التي يتم ضخها في السوق. واللافت أن هذه الحالات تتركز في قطاعات تقليدية منخفضة القيمة المضافة، مثل التجارة والبناء وبعض الخدمات، وهي قطاعات تعرف أصلا تشبعا ومنافسة حادة، ما يجعل فرص البقاء فيها ضعيفة منذ البداية.

ورغم حرص المرصد على التمييز المفاهيمي بين “حل المقاولة” و”الإفلاس”، وتأكيده اعتماد قواعد بيانات رسمية ومحينة، فإن تضارب الأرقام المتداولة يعكس في حد ذاته إشكالا في الشفافية والتواصل المؤسساتي، ويغذي انطباعا عاما بعدم وضوح الرؤية حول الحجم الحقيقي لتعثر المقاولات. كما أن التمركز الجغرافي الواضح لحالات التعثر، خاصة بجهة الدار البيضاء-سطات، يكرس مرة أخرى اختلال التوازنات المجالية، حيث تتكدس الفرص والمخاطر في نفس المحاور الاقتصادية الكبرى.

في المقابل، يُظهر التقرير دينامية مستمرة في إحداث المقاولات، مع تسجيل نحو 96 ألف مقاولة جديدة خلال 2024، أغلبها مقاولات صغيرة جدا وضعيفة الرسملة. غير أن هذا الزخم العددي يبدو أقرب إلى تضخم كمي منه إلى توسع نوعي، خاصة إذا استحضرنا أن 94 في المائة من المقاولات لا يتجاوز رقم معاملاتها 10 ملايين درهم، وأن المقاولات الصغرى والمتوسطة بالمعنى الحقيقي لا تمثل سوى نسبة هامشية. أما الشركات الكبرى، فرغم قلتها، فلا تزال تستحوذ على النصيب الأكبر من رقم المعاملات والقيمة المضافة، ما يعمق الفجوة داخل النسيج الإنتاجي.

وتعكس مؤشرات التشغيل والتمويل نفس المفارقة. فارتفاع رقم المعاملات الإجمالي والقيمة المضافة والصادرات، خاصة بعد تعافي الصناعة التحويلية، يؤكد وجود محركات نمو حقيقية، لكنها محصورة داخل دائرة ضيقة من المقاولات الناضجة والقطاعات المهيكلة.

أما مناصب الشغل، فرغم نموها الطفيف، فهي تعاني من ضعف الجودة، حيث تظل الأجور منخفضة، والنساء أكثر عرضة للهشاشة، في وقت لا تزال فيه المقاولات التي تسيرها نساء تعاني إقصاء ماليا واضحا، إذ لا تنال سوى جزء محدود من القروض البنكية.

في المحصلة، يكشف تقرير المرصد عن اقتصاد يسير بسرعتين: سرعة إحداث مرتفعة، تقابلها سرعة وفاة مقلقة.

وبينهما، تقف المقاولات الناشئة والصغرى جدا عالقة في منطقة رمادية، بلا رسملة كافية، ولا ولوج عادل للتمويل، ولا توزيع مجالي وقطاعي متوازن. وهو ما يجعل الحديث عن دينامية مقاولاتية ناجحة ناقصا، ما لم يُقرن بإصلاحات عميقة تمس شروط البقاء لا مجرد شروط التأسيس، وتحول منطق “الكم” إلى منطق “الاستدامة”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى