
من اقتصاد “الكاش” إلى الرقمنة الشاملة: المغرب بين نموذج المراقبة ونموذج التحفيز في معركة إصلاح المعاملات المالية
الرباط: إدريس بنمسعود
يسير المغرب بخطى حثيثة نحو إعادة تشكيل عميقة لاقتصاده النقدي، في مشروع إصلاحي يمتد بين 2026 و2028، لا يقتصر على تعميم أجهزة الأداء الإلكتروني داخل المحلات التجارية، بل يعكس انتقالاً هيكلياً من منطق التداول النقدي إلى منطق الرقمنة الشاملة.
غير أن هذا التحول يضع البلاد أمام مفترق طرق حقيقي بين نموذجين متباينين: نموذج يرتكز على التشديد والمراقبة، وآخر يقوم على التحفيز وبناء الثقة مع الفاعلين الاقتصاديين.
في جوهر هذا الإصلاح، يتجاوز الرهان مجرد تحديث وسائل الدفع، ليطال إعادة صياغة العلاقة الجبائية بين الدولة والملزمين.
فاعتماد الأداء الإلكتروني، مرفوقاً بتوسيع الفوترة الرقمية، يمنح الإدارة إمكانية تتبع العمليات التجارية بشكل فوري ودقيق، ما يحد من هامش التقدير ويعزز الشفافية.
وهو ما يمثل قطيعة مع ممارسات سابقة كانت تعتمد جزئياً على التصريحات الذاتية، ويفتح الباب أمام نظام جبائي أكثر ضبطاً ونجاعة.
لكن بالمقابل، يطرح هذا التوجه مقارنة ضرورية مع واقع الاقتصاد المغربي، الذي لا يزال يعتمد بشكل كبير على المعاملات النقدية، خاصة لدى فئات التجار الصغار والمتوسطين.
ففي حين يوفر النظام الرقمي للدولة أدوات قوية لمحاربة التهرب الضريبي وتقليص الاقتصاد غير المهيكل، يرى عدد من المهنيين أن الانتقال السريع قد يتحول إلى عبء إضافي، سواء من حيث كلفة التجهيز أو الرسوم المرتبطة بالخدمات البنكية، أو حتى الخشية من ارتفاع الضغط الضريبي نتيجة انكشاف المعاملات بشكل كامل.
وهنا تتجلى المفارقة الأساسية: فبينما تسعى الدولة إلى توسيع الوعاء الضريبي وتحسين مواردها عبر إدماج القطاع غير المهيكل، يظل نجاح هذا المسار رهيناً بمدى قدرة الإصلاح على إقناع نفس الفاعلين بالانخراط الطوعي، لا القسري.
إذ تُظهر التجارب الدولية أن الاقتصادات التي نجحت في تقليص الاعتماد على النقد لم تعتمد فقط على أدوات المراقبة، بل راهنت بشكل كبير على الحوافز، سواء عبر تخفيض الضرائب، أو دعم التكاليف، أو تبسيط المساطر.
في هذا السياق، يصبح دور المؤسسات النقدية، وعلى رأسها بنك المغرب، محورياً في تحقيق هذا التوازن.
فالمطلوب ليس فقط تعميم البنية التحتية للأداء الإلكتروني، بل أيضاً ضمان ولوج ميسر ومنخفض التكلفة لهذه الخدمات، بما يجعلها بديلاً جذاباً لا مفروضاً. كما أن دعم اقتناء الأجهزة وتخفيض عمولات الأداء يشكلان عاملين حاسمين في تسريع وتيرة التبني، خاصة في ظل منافسة قوية من الاقتصاد النقدي الذي لا يزال يوفر مرونة أكبر لكثير من الأنشطة.
وعند المقارنة بين خيار “الرقمنة القسرية” وخيار “الرقمنة التحفيزية”، يبدو أن الرهان الحقيقي لا يكمن في فرض الأدوات، بل في خلق بيئة يشعر فيها التاجر بأن اندماجه في الاقتصاد المنظم يواكبه تحسن ملموس في ظروف عمله، سواء عبر حماية قانونية أفضل، أو ولوج أسهل للتمويل، أو نظام ضريبي أكثر عدالة ومرونة.
في المحصلة، لا يقف مشروع تعميم الأداء الإلكتروني عند حدود التحديث التقني، بل يمثل اختباراً فعلياً لقدرة المغرب على الانتقال من اقتصاد قائم على الثقة المحدودة والنقد، إلى اقتصاد رقمي شفاف ومندمج.
وبين ضرورات المراقبة وحتمية التحفيز، سيحدد هذا التوازن ملامح نجاح أو تعثر أحد أهم الأوراش الإصلاحية في المرحلة المقبلة.





