الأحرار بين منطق المسلسل السياسي ونهاية عهد الزعامة الفردية: هل يربح الحزب رهان ما بعد أخنوش؟

بقلم : الدكتور عبد العالي بنلياس استاذ القانون

ما يجري داخل حزب التجمع الوطني للأحرار بات أقرب إلى حبكة مسلسل تلفزيوني تتعاقب فيه الأحداث على وقع التشويق والإثارة، وتُبنى مشاهده على المفاجأة وكسر التوقعات. فمنذ إعلان عزيز أخنوش وضع حد لمساره السياسي على رأس الحزب، دخل التنظيم مرحلة من الغموض السياسي، خاصة وأن كل المؤشرات السابقة كانت توحي بعكس ذلك تماما. فقد بدا أخنوش، من خلال استراتيجيته التنظيمية والتواصلية وجولاته الوطنية المكثفة، ماضيا بثبات نحو ترسيخ موقعه على رأس الحزب، استعدادا لمعركة تصدر الانتخابات التشريعية المقبلة، وقيادة ما اصطلح على تسميته بـ“حكومة المونديال”.

غير أن قرار الانسحاب المفاجئ قلب المعادلة، وفتح الباب أمام سيل من التكهنات حول هوية الخليفة المحتمل: هل سيكون من القيادات التقليدية التي راكمت تجربة تنظيمية وسياسية داخل هياكل الحزب، وتقلدت مناصب حكومية وتدبيرية تؤهلها لضمان الاستمرارية؟ أم أن الحزب يتجه نحو اختيار مغاير ينسف منطق الزعامة المألوف؟

في هذا السياق، راجت أسماء وازنة داخل الحزب وخارجه، من قبيل مولاي حفيظ العلمي، ومحمد أوجار، وأنس بيرو، ونادية فتاح، ومصطفى بيتاس، باعتبارها مرشحة طبيعية لخلافة أخنوش. غير أن المفاجأة جاءت في اللحظات الأخيرة لإغلاق باب الترشيحات، بظهور اسم وحيد هو محمد شوكي، رئيس فريق الأحرار بمجلس النواب، في ترشيح بدا خارج حسابات الصف الأول من القيادات الطامحة لقيادة الحزب.

هذا الترشيح المنفرد، الذي سيُعرض على المؤتمر الاستثنائي للحزب، يفتح أكثر من علامة استفهام حول خلفياته السياسية والتنظيمية، وحول الرسائل التي يراد تمريرها من خلاله.
أولى هذه الملاحظات تتعلق بالأثر التنظيمي المحتمل لهذا الاختيار على تماسك الحزب وقوته الداخلية.

فالأحرار راكم خلال عقد من الزمن قوة تنظيمية لافتة، ارتبطت بشكل وثيق بشخص عزيز أخنوش، رجل المال والأعمال، الذي استثمر نفوذه الاقتصادي وموقعه الحكومي في استقطاب فئات اجتماعية متعددة، في إطار منطق سياسي قائم على المصالح والاستفادة من قوة الزعامة. والسؤال المطروح هنا هو: هل يمتلك القائد الجديد القدرة على احتواء التصدعات المحتملة، والحفاظ على نفس مستوى التماسك والاستقطاب في غياب هذه الزعامة؟

ثانيا، نحن أمام تحول نوعي في البنية التنظيمية للحزب. فالأحرار يتجه، نظريا على الأقل، إلى فك الارتباط مع نموذج الحزب المرتبط باسم رئيسه، حيث كانت الزعامة الفردية تشكل محور القرار السياسي والتنظيمي، كما تتحمل وحدها مسؤولية النجاح أو الفشل. هذا التحول، إن تأكد، قد ينقل الحزب من منطق “الزعيم-المركز” إلى منطق أكثر جماعية، لكنه في المقابل يضعه أمام اختبار صعب في تدبير القيادة وتوزيع المسؤوليات.

ثالثا، يحمل هذا الترشيح دلالة سياسية واضحة في اتجاه القطع مع تجربة الجمع بين المال والسلطة، وهي التجربة التي خلفت آثارا سلبية على صورة تدبير الشأن العام، وأفرزت ردود فعل سياسية واجتماعية قوية، وصلت حد وسم الحكومة بـ“حكومة الفراقشية”. ومن ثم، فإن اختيار شخصية أقل ارتباطا بهذا النموذج قد يكون محاولة لإعادة ترميم الصورة السياسية للحزب وتخفيف حدة الانتقادات.

رابعا، يمكن قراءة هذا الترشيح كإعلان غير مباشر عن بداية أفول نجم القيادات التقليدية داخل حزب الأحرار، وفتح المجال أمام نخب جديدة تسعى إلى بناء شرعيتها بعيدا عن الإرث الثقيل لتجربة أخنوش، بما لها وما عليها، في أفق إعادة تشكيل هوية الحزب وخطابه السياسي.

وأخيرا، لا يمكن فصل هذا التحول عن تأثيره المحتمل على القدرة التنافسية للحزب في الانتخابات التشريعية المقبلة. فضعف الزعامة أو ارتباك المرحلة الانتقالية قد يفتح شهية باقي مكونات الأغلبية الحكومية الحالية لاستثمار هذا التغيير، ومحاولة التموقع كبديل قادر على قيادة الحكومة المقبلة، في حال فشل الأحرار في تدبير مرحلة ما بعد أخنوش بسلاسة ونجاعة سياسية.

هكذا، يجد حزب التجمع الوطني للأحرار نفسه أمام منعطف حاسم: إما تحويل هذا “المنعطف الدرامي” إلى بداية تجديد حقيقي، أو السقوط في فخ مسلسل سياسي تنتهي حلقاته بخسارة الرهان الانتخابي المقبل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى