كيف تحولت وسائل التواصل إلى أخطر فخ يهدد المستثمرين المغاربة؟

الرباط: المهدي الجرباوي

لم يعد الاحتيال المالي في المغرب يعتمد على الأساليب التقليدية التي يسهل كشفها، بل دخل مرحلة أكثر تعقيدًا مع توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي ومنصات التواصل الاجتماعي في استدراج الضحايا. هذا التحول الرقمي جعل عمليات النصب أكثر احترافية، وأعاد طرح تساؤلات حول قدرة المستثمرين على التمييز بين الفرص الاستثمارية الحقيقية والعروض الوهمية، في وقت تتسارع فيه وتيرة الرقمنة وتتوسع قاعدة المستثمرين الأفراد.

وفي هذا السياق، دق رئيس قسم الشؤون القانونية بالهيئة المغربية لسوق الرساميل، وليد العلوي الإسماعيلي، ناقوس الخطر، مؤكداً أن الهيئة رصدت خلال السنوات الخمس الأخيرة تطوراً مقلقاً في أساليب الاحتيال الإلكتروني، التي أصبحت أكثر تنظيماً وتعتمد على أدوات تكنولوجية متقدمة لإضفاء المصداقية على عمليات النصب.

ويكشف هذا التطور عن تحول نوعي مقارنة بما كان سائداً في السابق، إذ كان المحتالون يعتمدون على الاتصالات المباشرة أو الوعود الشفوية، بينما أصبحوا اليوم يستغلون منصات التواصل الاجتماعي، ويستخدمون الذكاء الاصطناعي لإنتاج وثائق مزيفة وشهادات استثمار مزعومة، بل وانتحال هوية مؤسسات رسمية لإيهام الضحايا بشرعية أنشطتهم.

وأبرز المسؤول أن أخطر هذه الممارسات تتمثل في مخططات “بونزي” التي تقوم على إغراء المواطنين بعوائد مالية استثنائية دون وجود أي استثمارات حقيقية، حيث يتم تمويل أرباح المستثمرين الأوائل من أموال المنخرطين الجدد، قبل أن ينهار النظام بالكامل ويختفي القائمون عليه بالأموال، وهو نموذج شهد العالم سقوطه مراراً، لكنه يعود اليوم في نسخة رقمية أكثر تعقيداً.

وفي المقابل، تشكل منصات التداول غير المرخصة تحدياً آخر، إذ تستغل رغبة الأفراد في تحقيق أرباح سريعة من الأسواق المالية، بينما تعمل خارج الأطر القانونية أو تنشط من دول مصنفة عالية المخاطر. والأخطر من ذلك ظهور منصات مزيفة تستنسخ هوية شركات مرخصة، بهدف سرقة البيانات البنكية والاستيلاء على أموال المستثمرين.

كما حذرت الهيئة من الانتشار المتزايد لما يعرف بـ”المستشارين الوهميين”، الذين يقدمون أنفسهم عبر مواقع التواصل كخبراء في الاستثمار، ويوجهون المتابعين نحو قرارات مالية مقابل عمولات أو لخدمة منصات احتيالية، مستغلين خصوصاً فترات الطروحات الأولية في البورصة التي تشهد اهتماماً واسعاً من المستثمرين.

وتبرز المقارنة بين الماضي والحاضر أن الاحتيال المالي لم يعد يعتمد فقط على الخداع، بل أصبح يوظف التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي لبناء صورة احترافية يصعب كشفها، وهو ما يفرض رفع مستوى الوعي المالي والرقمي لدى المستثمرين، بالتوازي مع تطوير آليات المراقبة والتشريعات.

وأكدت الهيئة المغربية لسوق الرساميل أنها تتابع هذه الظواهر بشكل مستمر، وأطلقت تحذيرات رسمية للمستثمرين، كما تواصل التنسيق مع بنك المغرب وهيئة مراقبة التأمينات والاحتياط الاجتماعي (ACAPS) في إطار اللجنة الوطنية المختصة، بهدف تعزيز الوقاية والتصدي لمختلف أشكال الاحتيال المالي والإلكتروني.

ويؤكد هذا الواقع أن معركة حماية المستثمرين لم تعد تقتصر على مراقبة الأسواق المالية، بل أصبحت تمتد إلى الفضاء الرقمي، حيث بات الوعي والتحقق من مصادر المعلومات والتعامل فقط مع المؤسسات المرخصة يشكل خط الدفاع الأول أمام موجة احتيال إلكتروني تتطور بوتيرة أسرع من أي وقت مضى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى