من الطريق إلى المواجهة: دراجات بلا ضوابط تختبر هيبة القانون وسلامة المواطنين

الدارالبيضاء: إستثمار

لم تكن حادثة اصطدام دراجة نارية بشرطي بمنطقة الرحمة في الدار البيضاء مجرد واقعة سير عابرة، بل لحظة كاشفة أعادت إلى الواجهة جدل “عشوائية الدراجات النارية” وحدود نجاعة المقاربة المعتمدة في تدبير هذا الملف. فالحادث، الذي تزامن بشكل مفارق مع تخليد اليوم الوطني للسلامة الطرقية، عرّى مفارقة مؤلمة بين خطاب التوعية وواقع السلوك في الشارع.

القراءة الحقوقية للحادث ذهبت نحو مساءلة منسوب التربية على احترام القانون ومؤسسات الدولة، معتبرة أن ما وقع ليس سوى عرض لخلل أعمق في التنشئة الاجتماعية. فحين يتحول رجل الأمن، الذي يتدخل لتنظيم السير وحماية مستعملي الطريق، إلى طرف متضرر من تهور بعض السائقين، فإن الأمر يتجاوز مخالفة مرورية إلى أزمة وعي مدني، خاصة في مدن تعرف ضغطا مروريا خانقا كالعاصمة الاقتصادية.

غير أن اختزال الظاهرة في بعد أخلاقي أو تربوي فقط قد يكون تبسيطا مفرطا. فالأرقام الصادمة التي تعلنها الوكالة الوطنية للسلامة الطرقية بشأن سقوط آلاف الضحايا في صفوف مستعملي الدراجات الصغيرة، تضعنا أمام سؤال السياسات العمومية: لماذا يستمر هذا النزيف رغم الحملات التحسيسية المكثفة والشراكات مع المجتمع المدني والمؤسسات التعليمية؟
التشديد على ضرورة العقوبات الرادعة يعكس قناعة متزايدة بأن التوعية وحدها لم تعد كافية. لكن التجربة أثبتت أيضا أن الردع، في غياب تفعيل صارم للمقتضيات القانونية، يظل محدود الأثر. فـرخصة السياقة من صنف “AM”، المنصوص عليها في القانون منذ سنوات، لم تر النور بشكل فعلي، ما يجعل شريحة واسعة من مستعملي الدراجات خارج أي مسار تأهيلي حقيقي يضمن الحد الأدنى من التكوين والمعرفة بقواعد السير.

في المقابل، لا يمكن إغفال البعد الاجتماعي للظاهرة. فالدراجات ذات السعة الصغيرة تمثل وسيلة تنقل أساسية لآلاف الشباب، سواء للعمل أو الدراسة، في ظل هشاشة بدائل النقل العمومي في عدد من الأحياء الهامشية.

وهنا يبرز التناقض: الدولة مطالبة بحماية الحق في السلامة الطرقية، لكنها مطالبة أيضا بتوفير شروط تنقل آمنة ومهيكلة لا تدفع الشباب إلى حلول سريعة تفتقر إلى التأطير والرقابة.
إن الحادث الأخير يعيد طرح سؤال التوازن بين التربية والردع، بين الحق في التنقل وواجب احترام القانون، وبين الحملات الظرفية والإصلاحات البنيوية. فبدل الاكتفاء بردود فعل موسمية كلما وقع حادث صادم، تبدو الحاجة ملحة إلى نقاش وطني صريح حول ثقافة السير، وتفعيل القوانين المؤجلة، وإعادة الاعتبار لدور المدرسة والأسرة والإعلام في ترسيخ قيم المواطنة داخل الفضاء العام.

فالطرقات ليست مجرد مسارات إسفلتية، بل مرآة لمدى احترامنا للقانون ولحياة الآخرين. وحين تتحول الدراجة إلى خطر متنقل، فإن الخلل لا يكمن فقط في مقودها، بل في المنظومة التي سمحت بتطبيع الفوضى حتى صارت مشهدا يوميا لا يثير الانتباه إلا عندما يسقط ضحايا جدد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى