بين واقع التشغيل وطموح المساواة.. لماذا لا تزال المرأة المغربية تدفع ثمن ندرة فرص العمل؟

الرباط: إستثمار

تكشف نتائج استطلاع حديث لمؤسسة “أفروبارومتر” عن مفارقة لافتة في نظرة المجتمع إلى مكانة المرأة وحقوقها الاقتصادية، إذ بينما تتزايد الدعوات الرسمية والدولية إلى تحقيق المساواة بين الجنسين، لا تزال المواقف الاجتماعية في عدد من الدول الإفريقية، بما فيها المغرب، تعكس استمرار تصورات تقليدية تمنح الرجال أفضلية واضحة في سوق الشغل.

ففي الوقت الذي أبدى فيه 36 في المائة فقط من المغاربة تأييدهم للمساواة الكاملة بين النساء والرجال في الحق في العمل، اعتبر أكثر من نصف المستجوبين أن الرجال ينبغي أن يحظوا بالأولوية في التوظيف عندما تصبح فرص الشغل محدودة. ويعكس هذا المعطى وجود فجوة بين المبادئ المعلنة حول المساواة وبين الممارسات والتصورات السائدة على أرض الواقع، خاصة في ظل الضغوط الاقتصادية وارتفاع معدلات البطالة.

وتبرز المقارنة مع مؤشرات أخرى على المستوى الإفريقي أن المجتمعات تعرف تحولات متفاوتة في نظرتها إلى حقوق المرأة. فالغالبية الساحقة من الأفارقة تؤيد حق المرأة في اتخاذ قراراتها المتعلقة بالزواج، كما تدعم نسبة مهمة استقلاليتها في القرارات المرتبطة بالإنجاب، ما يشير إلى تقدم نسبي في بعض الجوانب الاجتماعية والشخصية. غير أن هذا التقدم لا ينعكس بالوتيرة نفسها على المجال الاقتصادي، حيث لا تزال المرأة تواجه عراقيل بنيوية تحد من ولوجها إلى سوق العمل أو تطورها المهني.

وتؤكد نتائج الاستطلاع أن التمييز في التوظيف يظل من أبرز العقبات التي تواجه النساء، إلى جانب التصورات المسبقة المرتبطة بالكفاءة والتكوين المهني. كما أن الضغوط الأسرية والاجتماعية ما تزال تلعب دوراً مؤثراً في الحد من مشاركة النساء في الأنشطة الاقتصادية، وهو ما يجعل المساواة القانونية غير كافية ما لم تواكبها تحولات ثقافية ومؤسساتية عميقة.

ومن جهة أخرى، يسلط التقرير الضوء على استمرار مظاهر العنف والتحرش التي تتعرض لها النساء في الفضاءات العامة، وهو معطى يكشف أن قضية المساواة لا ترتبط فقط بالحقوق الاقتصادية، بل تشمل أيضاً الحق في الأمان والكرامة داخل المجتمع.

لذلك ليس مستغرباً أن يطالب أغلب الأفارقة بمضاعفة جهود المؤسسات الرسمية لحماية النساء وتعزيز الضمانات القانونية والاجتماعية لفائدتهن.

ورغم أن القارة الإفريقية تبنت خلال العقود الأخيرة مجموعة من الالتزامات الدولية والقارية الداعمة للمساواة بين الجنسين، سواء عبر أجندة الاتحاد الإفريقي 2063 أو من خلال الاتفاقيات الدولية المتعلقة بحقوق المرأة، فإن المؤشرات الميدانية تظهر أن التنفيذ لا يزال أقل من مستوى الطموحات. بل إن بعض البيانات تشير إلى تراجع في مؤشرات المساواة خلال السنوات الأخيرة، نتيجة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي أثرت بشكل أكبر على النساء مقارنة بالرجال.

وتكشف هذه المعطيات أن التحدي الحقيقي لم يعد يكمن في سن القوانين أو توقيع الاتفاقيات، بل في تحويلها إلى سياسات عمومية فعالة قادرة على تقليص الفوارق داخل سوق الشغل وضمان تكافؤ الفرص. فكلما اشتدت المنافسة على فرص العمل عادت بعض المجتمعات إلى منطق الأولوية للرجال، وهو ما يطرح تساؤلات عميقة حول مدى ترسخ ثقافة المساواة داخل البنيات الاجتماعية والاقتصادية.

وفي المحصلة، تبدو القارة الإفريقية، والمغرب ضمنها، أمام اختبار حقيقي يتمثل في الانتقال من مرحلة الاعتراف النظري بحقوق المرأة إلى مرحلة التمكين الفعلي. فالتنمية الاقتصادية المنشودة لن تتحقق بشكل متوازن ما دامت نصف الطاقات البشرية تواجه عراقيل إضافية تحول دون مشاركتها الكاملة في الإنتاج وصنع القرار، وهو ما يجعل قضية المساواة ليست مجرد مطلب حقوقي، بل شرطاً أساسياً لتحقيق التنمية والعدالة الاجتماعية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى