
أرقام واعدة أم دينامية هشة؟ خريطة المقاولات الجديدة في المغرب بين تركّز جغرافي واختلال هيكلي
الرباط: ريم بنكرة
تعكس معطيات إحداث 7874 مقاولة في المغرب خلال يناير 2026 صورة مزدوجة للاقتصاد الوطني، حيث توحي الأرقام في ظاهرها بحركية استثمارية متواصلة، لكنها تكشف في العمق عن اختلالات بنيوية تتكرر مقارنة مع السنوات الماضية، سواء من حيث التوزيع الجغرافي أو طبيعة الأنشطة الاقتصادية. فبينما يبدو الرقم الإجمالي إيجابيًا في سياق دولي مضطرب، فإن تحليله مقارنة بدورات سابقة يبرز أن النمو الكمي لا يواكبه بالضرورة تحول نوعي في بنية النسيج المقاولاتي.
وتؤكد هيمنة الأشخاص الاعتباريين، بما يفوق 5800 مقاولة، مقابل حوالي 2000 مقاولة فردية، استمرار تفضيل الإطار المنظم للنشاط الاقتصادي، غير أن اللافت، بالمقارنة مع السنوات الأخيرة، هو استمرار هيمنة الشركات ذات المسؤولية المحدودة بشريك وحيد، ما يعكس توجهاً نحو تقليص المخاطر الفردية أكثر من كونه توجهاً نحو استثمارات كبرى أو شراكات موسعة. هذا المعطى، وإن كان يعكس نضجًا قانونيًا، فإنه يطرح تساؤلات حول محدودية رأس المال المستثمر وضعف قابلية هذه المقاولات للنمو السريع.
وعلى المستوى الترابي، تعيد الأرقام إنتاج نفس الخريطة الاقتصادية التقليدية، حيث تواصل جهة الدار البيضاء-سطات استحواذها على ما يقارب 40% من المقاولات المحدثة، متبوعة بفارق كبير بجهات الرباط ومراكش وطنجة. هذه الهيمنة، مقارنة بباقي الجهات، تعكس تمركزًا مفرطًا للفرص الاقتصادية والبنيات التحتية، في مقابل استمرار ضعف الجاذبية الاستثمارية لمناطق أخرى، وهو ما يعمق الفوارق المجالية بدل تقليصها، رغم السياسات المعلنة لتحقيق التوازن الترابي.
أما من حيث القطاعات، فيظهر التحليل المقارن أن بنية الاقتصاد المقاولاتي لم تشهد تحولًا جوهريًا، إذ لا يزال قطاع التجارة يتصدر، يليه البناء والخدمات، وهي قطاعات ذات قيمة مضافة محدودة نسبيًا مقارنة بالصناعة أو التكنولوجيا. وبالمقارنة مع اقتصادات صاعدة، حيث تقود الابتكارات والصناعات التحويلية دينامية خلق المقاولات، يبدو أن المغرب لا يزال يعتمد على قطاعات تقليدية، ما يحد من قدرته على خلق نمو مستدام وفرص شغل ذات جودة عالية.
وفي قراءة موازية للمقاولات الفردية، يبرز تحول نسبي في التوزيع الجغرافي، حيث تتصدر جهة طنجة-تطوان-الحسيمة، وهو ما يمكن تفسيره بدينامية الأنشطة المرتبطة بالموانئ والتجارة، غير أن هذا التقدم يظل ظرفيًا مقارنة بالهيمنة البنيوية لجهة الدار البيضاء في المقاولات المنظمة، ما يعكس ازدواجية في بنية الاقتصاد بين أنشطة مهيكلة وأخرى أقل تنظيماً.
كما أن منح أكثر من 12 ألف اسم تجاري خلال الفترة نفسها يعزز الانطباع باستمرار الحركية، لكنه في الوقت ذاته يطرح إشكالية الاستمرارية، إذ أن التجارب السابقة أظهرت أن نسبة مهمة من المقاولات المحدثة لا تصمد لسنواتها الأولى، ما يعني أن التحدي الحقيقي لا يكمن في عدد المقاولات المحدثة، بل في قدرتها على البقاء والتوسع.
في المحصلة، تكشف هذه الأرقام، عند مقارنتها بالسياق العام وبالتجارب السابقة، أن المغرب يحقق تقدماً كمياً في إحداث المقاولات، لكنه لا يزال يواجه تحدي التحول النوعي، سواء عبر تنويع القطاعات نحو مجالات أكثر إنتاجية، أو عبر تحقيق توزيع جغرافي أكثر توازناً، بما يجعل من دينامية خلق المقاولات رافعة حقيقية للتنمية، لا مجرد مؤشر ظرفي على حيوية اقتصادية غير مكتملة.





