بين منطق الحصيلة ورهانات المحاسبة: هل تتحول جلسة البرلمان إلى لحظة تقييم حقيقية أم مجرد عرض سياسي؟

الرباط: إدريس بنمسعود

تستعد المؤسسة التشريعية لعقد جلسة عمومية مشتركة بين مجلسي النواب والمستشارين، في خطوة تندرج ضمن الآليات الدستورية الرامية إلى تعزيز مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة.

غير أن هذا الموعد، الذي يأتي في سياق سياسي واقتصادي دقيق، يثير تساؤلات أعمق حول طبيعة هذه الجلسات: هل تشكل فعلًا محطة لتقييم موضوعي لأداء الحكومة، أم أنها تتحول في كثير من الأحيان إلى مناسبة شكلية يغلب عليها الطابع التواصلي أكثر من بعدها الرقابي؟
الجلسة المرتقبة، المنعقدة وفق مقتضيات الفصل 101 من الدستور، تمنح رئيس الحكومة فرصة لتقديم حصيلة عمل الجهاز التنفيذي أمام ممثلي الأمة، وهي لحظة يفترض فيها أن تُعرض منجزات السياسات العمومية، وأن يتم الوقوف عند الاختلالات والتحديات.

لكن بالمقابل، يظل الرهان الحقيقي مرتبطًا بمدى قدرة البرلمان، بغرفتيه، على ممارسة دوره الرقابي بشكل فعّال، عبر مساءلة دقيقة ومقاربات نقدية تتجاوز الخطاب السياسي الجاهز.

وعند المقارنة مع تجارب برلمانية أخرى، خاصة في الديمقراطيات الراسخة، نجد أن مثل هذه الجلسات تتحول إلى فضاء حقيقي للنقاش العمومي، حيث تُعرض الأرقام والمعطيات بشكل مفصل، وتُطرح أسئلة محرجة حول النجاعة والفعالية، بل وقد تؤدي في بعض الأحيان إلى إعادة توجيه السياسات أو حتى إحداث رجات سياسية داخل الحكومات. أما في السياق الوطني، فغالبًا ما يطغى التوازن السياسي والتحالفات الحزبية على منطق التقييم الصارم، مما يحد من الأثر الفعلي لهذه المحطة الدستورية.

كما أن توقيت هذه الجلسة يكتسي دلالة خاصة، في ظل انتظارات اجتماعية متزايدة وضغوط اقتصادية مرتبطة بارتفاع تكاليف المعيشة وتحديات التشغيل والاستثمار.

وهو ما يجعل من عرض الحصيلة اختبارًا حقيقيًا لقدرة الحكومة على إقناع الرأي العام بجدوى اختياراتها، ليس فقط عبر استعراض المنجزات، بل أيضًا من خلال الاعتراف بنقاط الضعف وتقديم رؤى واضحة لتجاوزها.

وفي العمق، تظل قيمة هذه الجلسة رهينة بمدى تحولها من مجرد التزام دستوري إلى لحظة سياسية قوية تُكرس ثقافة التقييم والمساءلة.

فالمواطن اليوم لم يعد يكتفي بخطابات عامة، بل ينتظر مؤشرات ملموسة تعكس أثر السياسات على حياته اليومية.

وبين منطق الدفاع عن الحصيلة ومنطق النقد البرلماني، تتحدد معالم هذه المحطة: إما أن تكون فرصة لتعزيز الثقة في المؤسسات، أو مناسبة أخرى تعمق فجوة الانتظارات بين الخطاب والواقع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى