
هل يعيش الإقتصاد الوطني انتعاشًا حقيقيًا أم وهجًا مضللًا؟
الرباط: حفيظة حمودة
من بعيد، تبدو الصورة مكتملة العناصر: ارتفاع في مبيعات السيارات، حركية ملحوظة في السوق العقارية، وخطاب رسمي يربط هذه المؤشرات بتحسن عام في القدرة الشرائية. غير أن تفكيك هذه الأرقام يكشف مفارقة عميقة بين ما يظهر على السطح وما يحدث فعليًا داخل البنية الاقتصادية، حيث يتبين أن جزءًا مهمًا من هذا “الانتعاش” لا يستند إلى طلب داخلي قوي، بل إلى عوامل خارجية أو ظرفية.
فعلى مستوى مبيعات السيارات، التي تُقدَّم كدليل على تحسن أوضاع الأسر، يتضح أن نسبة تتراوح بين 30 و35 في المائة من هذه المبيعات تعود إلى شركات كراء السيارات.
هذا المعطى يغيّر زاوية القراءة بالكامل، إذ يشير إلى أن الطلب مرتبط أساسًا بالدينامية السياحية وتدفقات مغاربة العالم، وليس بارتفاع حقيقي في القدرة الشرائية للمواطن. بالمقابل، يعتمد جزء كبير من الأفراد على القروض لاقتناء السيارات، في سياق تُظهر فيه مؤشرات التعثر أن شريحة غير قليلة من المقترضين تواجه صعوبات في السداد، ما يعكس توسعًا في الاستهلاك القائم على المديونية بدل الدخل.
هذه الصورة تصبح أكثر دلالة عند ربطها بالبنية الديمغرافية للمستهلكين، حيث يقترب متوسط سن مشتري السيارة من 43 سنة، ما يعني أن فئة الشباب، التي يُفترض أن تكون محرك الطلب المستقبلي، تظل خارج دائرة هذا “النمو”. ويعزز هذا الاستنتاج رقم أكثر وضوحًا: نحو 70 في المائة من الأسر المغربية لا تمتلك سيارة، وهو مؤشر يكشف محدودية انتشار هذا النمط الاستهلاكي رغم تضخم أرقامه الإجمالية.
في القطاع العقاري، تتكرر نفس الازدواجية ولكن بصيغة مختلفة. فالحركية المسجلة لا تعكس انتعاشًا متوازنًا، بل تتركز أساسًا في العقار الفاخر المدفوع بطلب مغاربة العالم، بينما يعاني السكن المتوسط من ركود واضح وتراكم في العرض غير المباع.
هنا يظهر الخلل البنيوي بشكل أكثر حدة: السوق تنتج ما لا يستطيع أغلب المواطنين تحمّله، فيما تبقى الفئات الواسعة رهينة أنماط سكن تقليدية أو خارج منظومة العرض الحديث.
وعند مقارنة هذه المؤشرات بدينامية السياحة، تتعمق الفجوة أكثر.
ففي حين تشكل السياحة الداخلية في اقتصادات كبرى العمود الفقري للطلب، لا تتجاوز مساهمة السياحة الداخلية في المغرب ثلث الإنفاق الإجمالي تقريبًا، ما يعني أن النشاط السياحي يعتمد بشكل كبير على الخارج. هذا الاعتماد يعكس بدوره محدودية القدرة الشرائية المحلية، ويؤكد أن جزءًا مهمًا من النمو الاقتصادي مرتبط بعوامل خارجية أكثر من كونه نتاجًا لطلب داخلي متماسك.
المفارقة الأساسية التي تبرز من هذا التحليل المقارن هي أن ارتفاع المؤشرات الكلية لا يوازيه تحسن ملموس في جودة عيش فئات واسعة من المجتمع، خصوصًا الطبقة المتوسطة والشباب. فهذه الفئات تجد نفسها عالقة بين ارتفاع التكاليف وضعف القدرة على الولوج إلى السلع والخدمات التي تُستخدم كمؤشرات للنمو.
في النهاية، تكشف هذه القراءة أن الاقتصاد قد يبدو في حالة انتعاش عندما يُنظر إليه من زاوية الأرقام الإجمالية، لكنه يفقد هذا البريق عند تحليل مكوناته الداخلية. وبين اقتصاد يستفيد منه السياح والمغتربون والفئات الميسورة، وآخر يعاني فيه الطلب الداخلي من الهشاشة، يظل السؤال قائمًا: هل نحن أمام نمو متوازن ومستدام، أم أمام انتعاش انتقائي يخفي اختلالات أعمق؟





