باحثة قانونية: الإشكال في “رقمنة الصحة” ليس في توحيد النظام بل في غياب “التشغيل البيني” ومخاطر التبعية التقنية

استثمار: الرباط

أكدت كوثر النهى، الطالبة الباحثة في سلك دكتوراه القانون العام بجامعة محمد الخامس بالرباط، أن النقاش المثار حول “النظام المعلوماتي الموحد” في القطاع الصحي المغربي، وشبهات تضييق المنافسة وإهدار المال العام، يقتضي مقاربة أكاديمية تبتعد عن الطرح الاختزالي الذي يربط مباشرة بين مبدأ التوحيد والاحتكار. وأوضحت الباحثة أن الإشكال الحقيقي لا يتعلق بفكرة التوحيد في حد ذاتها، بل بطبيعة النموذج التكنولوجي المعتمد لتفعيلها، ومدى توفر الضمانات القانونية والتقنية والمؤسساتية الكفيلة بحماية المرفق العام والسوق الاقتصادي.

​واعتبرت المتحدثة أن توحيد الأنظمة المعلوماتية يُعد، من حيث الأصل، توجهاً إصلاحياً ضرورياً لتحقيق متطلبات الحكامة الحديثة؛ إذ إن الاستمرار في تعدد الأنظمة غير المتجانسة يطرح إشكالات معقدة كالعشوائية وتشتت المعطيات الصحية وضعف قابلية تبادل المعلومات بين المؤسسات. غير أن تحقيق الأثر الإيجابي لهذه السياسة ليس أمراً آلياً، بل يتوقف على الاختيار بين نموذجين في فلسفة الرقمية: إما نموذج تقني مغلق يفرض برمجية واحدة ويحتكر تدبير المعطيات مما يؤدي عملياً إلى تركيز السوق وهيمنة فاعل واحد، وإما نموذج منفتح يقوم على توحيد المعايير التقنية وضمان “التشغيل البيني” بين مختلف الأنظمة مع الحفاظ على تعددية الفاعلين وفتح باب المنافسة.

وفي هذا السياق، استحضرت الباحثة التجربة الفرنسية كنموذج دال، حيث لم تتجه باريس نحو فرض برنامج معلوماتي موحد على جميع المستشفيات، بل اعتمدت إطاراً مرجعياً ملزماً للتشغيل البيني قائم على معايير تقنية موحدة ومفتوحة، خاصة معايير “HL7” و”FHIR”، مما سمح بتبادل المعطيات بسلاسة دون إلغاء استقلالية الأنظمة أو إقصاء الشركات المشتغلة في السوق، مشيرة إلى أن الدولة الفرنسية وحدت قواعد التواصل بين البرمجيات ولم توحد البرمجيات ذاتها، وهو الفرق الجوهري بين التوحيد المعياري والاحتكار التقني.

​وشددت التحليلات القانونية للباحثة على أن التخوف الحقيقي يجب أن ينصب على مدى غياب الضمانات التي تمنع التبعية الطويلة الأمد لمزود تكنولوجي واحد، مؤكدة أن النصوص التشريعية الوطنية، سواء المنظمة للمنافسة أو المتعلقة بالصفقات العمومية، تضع ترسانة قوية تفرض مبادئ الشفافية والمساواة وتكافؤ الفرص، وهي مبادئ تكتسي أهمية مضاعفة في المشاريع الرقمية الاستراتيجية. ودعت في هذا الصدد إلى اعتماد مقاربة تقوم على “التثمين والإدماج التدريجي” للأنظمة القائمة بدلاً من الإلغاء الشامل وإعادة البناء من الصفر، وذلك للحفاظ على الاستثمارات العمومية المنجزة وتفادي هدر الموارد المالية للدولة.

وخلصت كوثر النهى إلى أن جوهر النقاش القانوني والمؤسساتي اليوم لا ينبغي أن ينصرف إلى التساؤل حول الحاجة إلى نظام معلوماتي موحد من عدمه، بقدر ما يجب أن يتركز حول مدى وجود بنية قانونية وتقنية كافية لتأطير هذا التوحيد، وضمان انسجامه مع متطلبات الحكامة الجيدة ومبادئ حماية المعطيات الشخصية والسيادة الرقمية، لضمان توازن حقيقي بين نجاعة التحول الرقمي وحماية المال العام من مخاطر الهيمنة التقنية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى