
“قروض الإستهلاك”.. كيف تحولت حلول الإنقاذ السريع إلى فخ يهدد استقرار الأسر المغربية؟
الرباط: إدريس بنمسعود
في وقت تتسارع فيه موجة الغلاء وتزداد الضغوط المعيشية على الأسر المغربية، لم يعد الراتب الشهري كافيا لتغطية الحاجيات الأساسية لكثير من المواطنين، خصوصا مع توالي المناسبات الدينية والاجتماعية وما تفرضه من مصاريف إضافية تثقل كاهل الأسر. وبين الحاجة إلى الحفاظ على التوازن الأسري والرغبة في مسايرة متطلبات الحياة اليومية، وجد عدد متزايد من المغاربة أنفسهم أمام خيار اللجوء إلى القروض الاستهلاكية باعتبارها “طوق نجاة” مؤقتا، قبل أن تتحول في حالات كثيرة إلى عبء مالي مزمن.
هذا التحول يعكس مفارقة اقتصادية واجتماعية مقلقة؛ فالقروض التي يفترض أن تساعد الأسر على تجاوز الأزمات الظرفية، أصبحت في بعض الحالات مدخلا إلى دوامة من الاقتطاعات الشهرية والفوائد المتراكمة التي تستنزف الدخل وتعمق هشاشة القدرة الشرائية.
وفي هذا السياق، أكد علي شتور أن الإقبال المتزايد على القروض الاستهلاكية خلال فترات الأزمات والمناسبات يكشف حجم الضغوط التي تواجهها الأسر المغربية، لكنه في المقابل يبرز أيضا ضعف الوعي المالي لدى جزء من المستهلكين، خاصة فيما يتعلق بالكلفة الحقيقية للقروض والانعكاسات المستقبلية للمديونية على الاستقرار الأسري.
وأوضح المتحدث أن التجارب الميدانية التي تتابعها الجمعية تظهر أن عددا من المواطنين يلجؤون إلى التوقيع على عقود القروض دون إدراك كامل لمستوى الالتزامات طويلة الأمد التي تترتب عنها، وهو ما يجعل القرض يتحول من وسيلة مؤقتة لتجاوز أزمة مالية إلى التزام دائم يرافق الأسرة لسنوات، في ظرفية اقتصادية تتسم أصلا بارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية.
وفي مقارنة بين الهدف النظري للقروض الاستهلاكية وواقع استعمالها اليوم، يتضح أن هذه الآلية المالية كانت موجهة أساسا لتمويل حاجيات محددة وتحسين ظروف العيش، غير أن توسع اللجوء إليها لتغطية نفقات يومية أو موسمية يعكس اختلالا أعمق يتعلق بتآكل القدرة الشرائية وغياب التوازن بين الدخل ومتطلبات الحياة.
كما شدد شتور على أن القانون المغربي يوفر للمستهلك مجموعة من الضمانات القانونية من خلال القانون رقم 31.08 المتعلق بحماية المستهلك، والذي يفرض على المؤسسات المالية تقديم معلومات واضحة وشفافة حول نسب الفائدة والتكاليف الإجمالية ومدة السداد، إضافة إلى منع الإشهارات المضللة والعروض التي قد تستغل حاجة المواطنين أو ضعف ثقافتهم المالية.
غير أن الإشكال، بحسب متابعين، لا يرتبط فقط بوجود النصوص القانونية، بل أيضا بمدى وعي المستهلك بحقوقه وقدرته على تقييم التزاماته المالية قبل اتخاذ قرار الاقتراض، خصوصا في ظل حملات إشهارية تقدم القروض باعتبارها حلولا سهلة وسريعة دون إبراز آثارها طويلة المدى على ميزانية الأسرة.
وفي خضم هذا الواقع، تتعالى الدعوات إلى ترسيخ ثقافة استهلاكية أكثر عقلانية تقوم على ترتيب الأولويات وتجنب النفقات غير الضرورية، مع تعزيز برامج التوعية المالية حتى لا تتحول القروض إلى بديل دائم عن ضعف الدخل وغلاء المعيشة.
كما تتزايد المطالب الموجهة إلى المؤسسات البنكية والجهات الوصية من أجل اعتماد مقاربة أكثر توازنا تراعي الوضعية الاجتماعية للأسر المغربية، وتحد من تشجيع الاستدانة المفرطة، خاصة في مرحلة اقتصادية حساسة بات فيها الحفاظ على التوازن المالي للأسرة تحديا يوميا يهدد الاستقرار الاجتماعي برمته.





