
مفارقة الاقتصاد المغربي: أرقام استثمار قياسية ومناصب شغل دون التطلعات
الرباط: إدريس بنمسعود
رغم الحركية الاستثمارية غير المسبوقة التي يشهدها المغرب خلال السنوات الأخيرة، وما رافقها من تدفق لرؤوس الأموال الوطنية والأجنبية، فإن النتائج المسجلة على مستوى النمو الاقتصادي والتشغيل ما تزال تطرح العديد من علامات الاستفهام حول مدى فعالية النموذج الاستثماري المعتمد في تحقيق التنمية المنشودة.
ففي الوقت الذي راهنت فيه المملكة على الاستثمار باعتباره القاطرة الأساسية للإقلاع الاقتصادي، تكشف المؤشرات الأخيرة عن مفارقة لافتة تتمثل في اتساع الفجوة بين حجم الأموال المستثمرة وبين الأثر المباشر على سوق الشغل.
هذا ما أكده تقرير حديث لمركز الاستشراف الاقتصادي والاجتماعي، الذي اعتبر أن المغرب لم ينجح بعد في تحويل الدينامية الاستثمارية إلى نمو قوي ومستدام قادر على خلق فرص العمل بالوتيرة المطلوبة.
ويبرز التقرير أن معدل النمو الاقتصادي ظل خلال السنوات الأخيرة محصوراً في مستويات تراوحت بين 3 و4 في المائة، وهي نسب تبقى بعيدة عن السقف الذي حدده النموذج التنموي الجديد، والمتمثل في تحقيق نمو يفوق 6 في المائة سنوياً، باعتباره الحد الأدنى القادر على إحداث تحول اقتصادي واجتماعي ملموس.
ومن خلال قراءة مقارنة للمعطيات، يتضح أن المشكلة لا تكمن في ضعف الاستثمارات، بل في طبيعة هذه الاستثمارات وتوزيعها القطاعي. فقد تمت المصادقة على مئات المشاريع الاستثمارية بقيمة تجاوزت 581 مليار درهم، كما سجلت الاستثمارات الأجنبية المباشرة مستويات قياسية قاربت 56 مليار درهم سنة 2025، إلا أن انعكاس هذه الأرقام على التشغيل ظل محدوداً مقارنة بحجم التوقعات المعلنة.
ويفسر الخبراء هذا الوضع بكون جزء كبير من الاستثمارات الجديدة يتركز في قطاعات صناعية وتكنولوجية تعتمد بشكل أساسي على الرأسمال والتجهيزات الحديثة أكثر من اعتمادها على اليد العاملة، ما يجعل قدرتها على خلق مناصب شغل واسعة النطاق أقل بكثير من القطاعات التقليدية كثيفة التشغيل.
في المقابل، تعاني القطاعات القادرة على استيعاب أعداد كبيرة من العمال، مثل الفلاحة والصناعة التحويلية والخدمات ذات القيمة المضافة المرتفعة، من تحديات هيكلية تحد من مساهمتها في خلق فرص عمل مستقرة ومنتجة. وهنا يظهر الاختلال الأساسي في السياسات العمومية، حيث يتم التركيز على حجم الاستثمارات المستقطبة أكثر من التركيز على مردوديتها الاجتماعية.
وتكشف المقارنة مع تجارب اقتصادية صاعدة أن نجاح الاستثمار لا يقاس فقط بعدد المشاريع أو قيمة رؤوس الأموال، بل بمدى مساهمته في خلق فرص شغل ذات جودة وتحسين مستويات الدخل وتعزيز الاندماج الاقتصادي للشباب. فالدول التي نجحت في تحقيق قفزات تنموية جعلت من التشغيل مؤشراً مركزياً في تقييم السياسات الاستثمارية، وليس مجرد نتيجة ثانوية لها.
كما أن استمرار هيمنة الوظائف الموسمية أو منخفضة القيمة المضافة يحد من قدرة الاقتصاد الوطني على مواجهة البطالة، خصوصاً في صفوف الشباب وحاملي الشهادات، ويعمق التفاوتات الاجتماعية والمجالية بين مختلف مناطق المملكة.
وفي هذا السياق، يدعو التقرير إلى مراجعة فلسفة الاستثمار المعتمدة حالياً، عبر الانتقال من منطق التركيز على الأرقام المالية إلى منطق قياس الأثر الاقتصادي والاجتماعي الحقيقي.
ويقترح ربط مختلف أشكال التحفيزات والامتيازات التي تمنحها الدولة للمستثمرين بالتزامات دقيقة وقابلة للقياس في مجال التشغيل، بما يضمن تحقيق توازن بين الربحية الاقتصادية والمردودية الاجتماعية.
إن التحدي الحقيقي الذي يواجه المغرب اليوم لا يتمثل في جذب المزيد من الاستثمارات فقط، بل في ضمان تحويل هذه الاستثمارات إلى فرص عمل مستدامة وثروة موزعة بشكل أكثر عدالة. فنجاح أي نموذج تنموي لا يقاس بحجم الأموال التي تدخل الاقتصاد، وإنما بعدد المواطنين الذين يشعرون فعلياً بثمار هذا النمو في حياتهم اليومية.





