جواز السفر المغربي بين فجوة التنقل العالمية وصدارة أوروبية

الرباط: حفيظة حمودة

في مشهد عالمي تتمايز فيه حركة الأفراد عبر الحدود بشكل لم يسبق له مثيل، يكشف تقرير تحليلي شامل، يغطي نحو 197 دولة وإقليماً عبر 14 مؤشراً أساسياً، عن حقائق صارخة تعيد تشكيل فهمنا لمفهوم التنقل الدولي.

فمنطقة إفريقيا، التي تواجه أصعب العوائق أمام حركة مواطنيها، تبرز كأكبر مساحة ممكنة للإصلاح عبر السياسات الدبلوماسية، حيث يقف المغرب وجنوب إفريقيا كنموذجين استثنائيين يحققان نقاط قوة في مؤشر الوصول دون تأشيرة، بفضل مؤسساتهما الفاعلة وثقلهما الإقليمي المؤثر.

ومع ذلك، يظل مواطنو هذين البلدين يرتطمون بمتطلبات تأشيرية مشددة عبر معظم أنحاء العالم، مما يكشف عن إمكانية هائلة للإصلاح من خلال شبكة من الترتيبات المتبادلة التي يمكن للدبلوماسية الحازمة والمصممة أن توسع نطاقها تدريجياً، محولةً هذه العوائق إلى جسور للتواصل الدولي.

على الجانب الآخر من الكوكب، تهيمن أوروبا على المشهد العالمي بسيطرة لا تضاهيها أي منطقة أخرى، حيث تستأثر تسعة من أقوى عشرة جوازات سفر في العالم، وتحتكر المركز الأول عالمياً بمفردها. لكن المثير للاهتمام ليس فقط حجم هذه الهيمنة، بل طبيعتها الاستثنائية؛ إذ تبدو المراكز الخمسة الأولى وكأنها اكتساح شبه كامل للصدارة، حيث تتحدى الدول التي تقود هذا الصعود كل الافتراضات التقليدية حول مصادر قوة جواز السفر، لترسم ملامح نظام عالمي جديد يعكس التوازنات الجيوسياسية والاقتصادية الراهنة.

والأكثر إثارة للدهشة هو مدى التقارب الكبير في الدرجات بين الدول الأوروبية الرائدة، حيث لا تتجاوز الفجوة بين السويد في المركز الأول وفرنسا في المركز العاشر أربع نقاط فقط، مما يجعل جوازات السفر الأوروبية النخبوية قابلة للتبادل عملياً، سواء فيما يتعلق بالسفر دون تأشيرة أو حرية التنقل، مع اختلافات هامشية لا تُحدث فارقاً حقيقياً في الفائدة، إذ يتمتع حامل أي من هذه الجوازات العشرة الأولى بمستوى دخول عالمي مماثل تماماً لحامل جواز السفر الأوّل.

في تناقض صارخ، تنطوي منطقة آسيا على الكثير من التناقضات الداخلية، حيث تقودها سنغافورة في المركز العاشر عالمياً، تليها الإمارات في المرتبة 21، ثم اليابان وهونغ كونغ وكوريا الجنوبية التي تنافس بقوة أفضل الجوازات الأوروبية في حرية الدخول، بل وتتفوق عليها في العديد من المقاييس المالية، بينما تحتل أفغانستان واليمن وسوريا المراكز الأخيرة، لتتجسد الفجوة بين سنغافورة وأفغانستان ليس كمسألة درجات، بل كهاوية سحيقة بين وثيقة تفتح كل حدود الكوكب تقريباً وأخرى لا تفتح أي حد على الإطلاق.

وهذا يعكس استمرار ترسيخ “فجوة التنقل” العالمية التي اتسعت بشكل مطرد منذ عام 2021، حيث تحرز الجوازات القوية مكاسب تدريجية بينما تتراجع الضعيفة بشكل مطلق، في ظل عدم تكافؤ الاتفاقيات الثنائية التي تكشف أن “المعاملة بالمثل” ليست القاعدة، وأن الجوازات الأكثر تميزاً تتركز في الدول الأنجلوسكسونية الثرية ودول الخليج.

ومع تباين مسارات شطري العالم، نجد أن الشمال العالمي يتجه نحو تبني أنظمة الفحص الرقمي المسبق مثل تصريح السفر الإلكتروني البريطاني ونظام الدخول والخروج الأوروبي ونظام ETIAS المرتقب ونظام ESTA الأمريكي، مما يضيف قيوداً وإجراءات معقدة حتى على الوجهات المصنفة شديدة الانفتاح.

وفي المقابل، تسير آسيا في اتجاه معاكس بقيادة الصين، من خلال توسعها الانتقائي والمحدد بمدة زمنية في الإعفاء من التأشيرة ليشمل نحو خمسين دولة مع استبعاد الولايات المتحدة صراحة، ليتشكل نظام يتسم بالتحرر والتضييق في آن واحد وفق مسارات تتبع الثروة والجيوسياسية بدلاً من أي توجه عالمي موحد.

وهكذا، تخلص المعطيات إلى أن جوازات السفر التي أحرزت تقدماً في عام 2026 حققت ذلك بفضل الدبلوماسية المدروسة أو الإصلاح الداخلي، وليس بمجرد الصدفة، لتظل المسافة بين حامل الجواز المقيد والفئة العليا أكثر اتساعاً ورسوخاً من أي وقت مضى، بينما تعتمد قيمة الجواز القوي بشكل متزايد على الترتيبات الثنائية التي تتطلب دبلوماسية حازمة ورؤية استراتيجية طويلة المدى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى