رخص التجار بالرباط بين وعود “الشباك الوحيد” وواقع التعثر.. هل تتحول حملة التنظيم إلى أزمة ثقة؟

الرباط :إستثمار

يتواصل الجدل بمدينة الرباط حول تدبير رخص استغلال الملك العمومي والواقيات الشمسية واللافتات الإشهارية، في وقت تسعى فيه السلطات إلى فرض احترام القانون عبر حملة واسعة لإزالة التجهيزات غير المرخصة. غير أن هذه الحملة، التي تقدمها الجهات المعنية باعتبارها خطوة لتنظيم الفضاء العام، كشفت في المقابل عن خلاف عميق بين مختلف التمثيليات المهنية بشأن طبيعة الحلول المطروحة، لتتحول القضية من مجرد مسطرة إدارية إلى اختبار حقيقي لقدرة الإدارة على تحقيق التوازن بين تطبيق القانون وحماية النشاط الاقتصادي.

وتبرز المقارنة بين الروايتين المتداولتين حجم التباين في مقاربة الملف. فمن جهة، تؤكد النقابة الوطنية للتجار والمهنيين، بشراكة مع غرفة الصناعة والتجارة والخدمات لجهة الرباط سلا القنيطرة، أن سلسلة الاجتماعات مع السلطات المحلية أفضت إلى اتفاق يقضي بإحداث “شباك وحيد” يتولى استقبال ومعالجة جميع طلبات الرخص المتعلقة باستغلال الملك العمومي واللوحات الإشهارية، مع إحداث لجنة مختلطة تضم مختلف المتدخلين لتوحيد المساطر وتسريع معالجة الملفات وإيجاد حلول توافقية تراعي مصالح التجار والإدارة في آن واحد.

في المقابل، يقدم الاتحاد المغربي للتجار والمهنيين، المنضوي تحت لواء الاتحاد المغربي للشغل، رواية مغايرة تماما، إذ يؤكد أن الاجتماع الذي جمعه بعمدة الرباط لم يسفر عن أي اتفاق بشأن إحداث هذا الشباك، نافيا بشكل قاطع التوصل إلى أي صيغة توافقية، ومعلنا عزمه التصعيد عبر خطوات نضالية سيتم الإعلان عنها خلال اجتماع مرتقب للتجار.

هذا التضارب يعكس أزمة أعمق من مجرد اختلاف في التصريحات، إذ يكشف غياب خطاب موحد بين المتدخلين ويطرح تساؤلات حول الجهة المخولة بإعلان القرارات النهائية، وهو ما يساهم في زيادة حالة الارتباك وسط آلاف التجار الذين يجدون أنفسهم بين قرارات إزالة “الباشات” واللافتات وبين غياب رؤية واضحة حول كيفية تسوية أوضاعهم القانونية.

ومن الناحية العملية، لا يبدو أن الإشكال يكمن في مبدأ الترخيص بقدر ما يرتبط بتعقيد المساطر الإدارية. فالمنصة الرقمية المعتمدة حاليا، وفق المهنيين، تفرض وثائق يصعب توفيرها في العديد من الحالات، خاصة بالنسبة للمحلات القديمة التي لا تتوفر على تصاميم تهيئة حديثة، أو بالنسبة للمكتَرين الذين يجدون أنفسهم أمام ملاك يشترطون مبالغ إضافية أو مراجعة قيمة الكراء مقابل تسليم وثائق ضرورية لاستكمال ملفات الترخيص.

ويرى مهنيون أن أي إصلاح حقيقي ينبغي أن ينطلق من مراجعة شروط الاستفادة من الرخص، بدل الاكتفاء برقمنة المساطر، لأن نقل التعقيد من الإدارة الورقية إلى المنصة الإلكترونية لا يعني بالضرورة تبسيط الإجراءات، بل قد يخلق عراقيل جديدة أمام فئات واسعة من التجار.

وفي هذا السياق، يبرز مقترح منح الرخص تلقائيا للتجار المسجلين في نظام المساهمة المهنية الموحدة (CPU) باعتباره أحد الحلول المطروحة لتجاوز التعقيدات الإدارية، إلى جانب الدعوة إلى توفير بدائل عملية قبل إزالة الواقيات الشمسية، حماية للسلع من التلف بفعل الحرارة أو الأمطار، خاصة بالنسبة للمحلات الصغيرة التي تعتمد بشكل كبير على هذه التجهيزات.

وتعيد هذه الأزمة إلى الواجهة سؤالا طالما رافق تدبير الملك العمومي في المدن المغربية: هل الأولوية لتطبيق القانون بشكل صارم أم لإيجاد حلول انتقالية تراعي الواقع الاقتصادي والاجتماعي للتجار؟ فالتجارب السابقة في عدد من المدن أظهرت أن نجاح عمليات التنظيم لا يقاس بعدد المخالفات المحررة أو التجهيزات التي تمت إزالتها، وإنما بقدرة السلطات على توفير مساطر واضحة وسريعة وعادلة تمنح المهنيين فرصة حقيقية لتسوية أوضاعهم.

وبين إعلان قرب إحداث “الشباك الوحيد” ونفي وجود أي اتفاق بشأنه، يبقى تجار الرباط في انتظار موقف رسمي يحسم الجدل ويضع حدا لتضارب التصريحات، لأن استمرار الغموض لا يهدد فقط استقرار الأنشطة التجارية، بل قد يحول ملفا تنظيميا إلى أزمة ثقة بين الإدارة والفاعلين الاقتصاديين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى