سبتة تشعل جدلاً إسبانياً.. من “الهجرة” إلى اتهامات بالحرب الهجينة وإعادة رسم العلاقة مع المغرب

الرباط: إستثمار

لم تعد أحداث العبور الجماعي نحو مدينة سبتة المحتلة تُقرأ في إسبانيا باعتبارها أزمة هجرة غير نظامية فحسب، بل تحولت إلى ملف معقد تتداخل فيه الاعتبارات الأمنية والسياسية والقانونية والجيوسياسية، في ظل تصاعد النقاش داخل الأوساط الإعلامية والأكاديمية حول دلالات ما جرى وانعكاساته على مستقبل العلاقات المغربية الإسبانية، بل وحتى على سياسات الاتحاد الأوروبي في إدارة حدوده الجنوبية.

هذا التحول برز بوضوح من خلال سلسلة مقالات نشرتها صحيفة “إل باييس” الإسبانية، شارك فيها دبلوماسيون وخبراء وصحافيون، قدم كل منهم قراءة مختلفة للأحداث، غير أنهم التقوا عند قناعة مشتركة مفادها أن ما وقع في سبتة يتجاوز بكثير كونه موجة هجرة عابرة، ويستدعي مراجعة شاملة لآليات تدبير الحدود والتعاون الثنائي بين مدريد والرباط.

وفي القراءة الأمنية، اعتبر السفير الإسباني الأسبق لدى المغرب والمدير السابق لجهاز الاستخبارات الإسباني، خورخي ديزكالار، أن الأزمة كشفت اختلالات واضحة في مستوى التنسيق بين البلدين في مجال تدبير الهجرة.

ووفق تحليله، فإن وصول آلاف الأشخاص خلال ساعات معدودة وضع المدينة أمام وضع غير مسبوق، بعدما تجاوزت أعداد الوافدين قدرة مراكز الإيواء والخدمات الأساسية، الأمر الذي انعكس على الحياة اليومية لسكان المدينة.
ويرى ديزكالار أن الأزمة لم تكن وليدة عامل واحد، بل نتاج تداخل عدة متغيرات، من بينها قرار المحكمة العليا الإسبانية الذي حدّ من عمليات الإعادة الفورية للمهاجرين القادمين عبر البحر، إلى جانب تطورات سياسية مرتبطة بعلاقات مدريد مع الجزائر، ومناقشة مشروع يمنح الجنسية الإسبانية لفئات من الصحراويين.

لكنه يذهب أبعد من ذلك، معتبراً أن السياسة التي انتهجتها الحكومة الإسبانية تجاه المغرب خلال السنوات الأخيرة اتسمت بقدر كبير من التنازلات، وهو ما يدعو، بحسب رأيه، إلى اعتماد مقاربة أكثر توازناً تجمع بين الحوار والحزم في الدفاع عن المصالح الإسبانية.

كما استحضر المسؤول الاستخباراتي السابق ملفات خلافية أخرى، مثل إغلاق الجمارك التجارية في مليلية وقضية برنامج التجسس “بيغاسوس”، معتبراً أن هذه القضايا تعكس، من وجهة نظره، حاجة مدريد إلى إعادة تقييم طريقة إدارتها لعلاقتها مع الرباط.

أما الكاتب والمحلل السياسي لويس باسيتس، فقد اختار مقاربة أكثر ارتباطاً بالتحولات الدولية، معتبراً أن العالم يشهد بروز أشكال جديدة من الصراعات لا تعتمد على القوة العسكرية التقليدية، بل على أدوات ضغط مثل الهجرة والتحكم في الممرات الاستراتيجية، وهو ما يُعرف بالحروب الهجينة.

ويرى باسيتس أن الموقع الجغرافي لإسبانيا، بما يضمه من سبتة ومليلية وجزر الكناري ومضيق جبل طارق، يجعلها في قلب معادلة جيوسياسية معقدة، حيث تتحول الهجرة إلى ورقة ذات أبعاد استراتيجية تتجاوز بعدها الإنساني، مستحضراً في هذا السياق محطات تاريخية مثل المسيرة الخضراء باعتبارها مثالاً على استثمار لحظات التحول السياسي لتحقيق أهداف استراتيجية، مع تأكيده أن فرضية تورط شبكات تهريب البشر لا تلغي احتمال وجود اعتبارات سياسية وأمنية أوسع.

ومن جانبه، وسّع أندريا ريتسي، مراسل الشؤون العالمية في “إل باييس”، دائرة التحليل لتشمل الاتحاد الأوروبي، معتبراً أن أزمة سبتة أصبحت اختباراً لقدرة أوروبا على إدارة أزماتها الحدودية في ظل تصاعد الانقسامات السياسية الداخلية.

وأشار إلى أن توقيت الأزمة جاء بعد سلسلة من التطورات الحساسة، أبرزها قرار المحكمة العليا الإسبانية، وزيارة رئيس الوزراء بيدرو سانشيز إلى الجزائر، إضافة إلى النقاش الدائر حول منح الجنسية الإسبانية لبعض الصحراويين، وهي معطيات أعادت العلاقات المغربية الإسبانية إلى واجهة الجدل السياسي.

كما لفت إلى أن أحزاب اليمين واليمين المتطرف في أوروبا والولايات المتحدة سارعت إلى استثمار الأزمة لتعزيز خطابها المناهض للهجرة وانتقاد الحكومة الإسبانية، محذراً من أن استمرار الانقسام الأوروبي قد يمنح أطرافاً دولية فرصة لإضعاف تماسك الاتحاد الأوروبي.

وفي الوقت نفسه، لم يُعف ريتسي الحكومة الإسبانية من المسؤولية، معتبراً أنها لم توفر الاستعدادات الأمنية الكافية للتعامل مع المؤشرات التي سبقت الأزمة، وأن بطء التفاعل بعد قرار المحكمة العليا ساهم في تعقيد الوضع، داعياً إلى تبني مقاربة أوروبية موحدة بدل توظيف الملف في التجاذبات السياسية الداخلية.

أما أستاذة القانون الدولي والعلاقات الدولية بجامعة لا ريوخا، ماريولا أوريّا كوريس، فقد ذهبت إلى توصيف أكثر حدة، معتبرة أن ما شهدته سبتة لا يندرج فقط ضمن الهجرة غير النظامية، بل يرقى إلى ما وصفته بـ”الهجوم الهجين” الذي يستهدف سيادة الدولة الإسبانية.

وأكدت أن الإطار القانوني الحالي، بما يشمله من اتفاقيات إعادة القبول مع المغرب، لا يوفر حلولاً كافية لمواجهة أزمات استثنائية بهذا الحجم، مشددة على أن احترام الضمانات القانونية وحقوق الإنسان يظل التزاماً قائماً، حتى في الظروف الاستثنائية.

وترى الباحثة أن الأزمة كشفت محدودية الأدوات القانونية التقليدية، داعية إلى تعزيز قدرات سبتة ومليلية على مواجهة الأزمات المستقبلية، وتقوية المؤسسات المحلية، وصياغة استراتيجية وطنية موحدة للتعامل مع الضغوط المرتبطة بتدفقات الهجرة، بعيداً عن الانقسامات السياسية.

وتعكس هذه القراءات الإسبانية، رغم اختلاف منطلقاتها، حجم القلق الذي تثيره أحداث سبتة داخل الأوساط السياسية والفكرية في إسبانيا، حيث لم يعد النقاش مقتصراً على كيفية ضبط الحدود، بل امتد إلى مراجعة طبيعة العلاقة مع المغرب، ومستقبل التعاون الثنائي، ودور الاتحاد الأوروبي في حماية حدوده الجنوبية، في وقت يظل فيه الملف مفتوحاً على سيناريوهات متعددة، تتجاوز البعد الأمني إلى رهانات إقليمية ودولية أكثر تعقيداً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى