ارتفاع المبيعات في يوليوز يكشف مفارقة السوق بين التعافي والتباطؤ

الرباط: حفيظة حمودة

سجلت مبيعات الإسمنت بالمغرب خلال شهر يوليوز 2026 ارتفاعاً بنسبة 1,88 في المائة، لتصل إلى نحو 1,42 مليون طن، مقابل 1,39 مليون طن خلال الفترة نفسها من سنة 2025، وفق المعطيات الصادرة عن وزارة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة. ورغم أن هذا التطور يبدو في الظاهر مؤشراً إيجابياً يعكس تحسن النشاط في قطاع البناء والأشغال العمومية، فإن قراءة الأرقام بشكل أعمق تكشف صورة أكثر تعقيداً لسوق ما يزال يبحث عن وتيرة نمو مستقرة بعد سنوات من التقلبات.

ويعتبر الإسمنت من أبرز المؤشرات الاقتصادية التي يعتمد عليها الخبراء لقياس دينامية قطاع البناء والعقار والاستثمارات العمومية، لذلك فإن أي ارتفاع في مبيعاته غالباً ما يُقرأ باعتباره إشارة إلى تحرك الأوراش السكنية ومشاريع البنية التحتية، سواء تلك المرتبطة بالاستثمارات العمومية أو بالمبادرات الخاصة.

غير أن المفارقة تكمن في أن الارتفاع المسجل خلال يوليوز لم يكن كافياً لتعويض التراجع المسجل خلال الأشهر السابقة من السنة، إذ بلغ إجمالي المبيعات خلال الأشهر السبعة الأولى من 2026 حوالي 8,22 ملايين طن، بانخفاض نسبته 0,75 في المائة مقارنة بالفترة ذاتها من سنة 2025، حين تجاوزت المبيعات 8,28 ملايين طن.

وهذا المعطى يعكس أن سوق البناء لم يدخل بعد مرحلة انتعاش قوية وشاملة، بل يعيش حالة من التعافي المتدرج وغير المتوازن بين مختلف الجهات والقطاعات.
ويعزو متابعون هذا الوضع إلى عدة عوامل متداخلة، أبرزها استمرار الحذر داخل السوق العقارية، وتراجع الطلب على بعض أصناف السكن، إضافة إلى تأثير ارتفاع تكاليف التمويل خلال الفترات السابقة، رغم توجه بنك المغرب نحو تخفيف السياسة النقدية تدريجياً.

كما أن وتيرة إطلاق المشاريع العقارية الجديدة لم تستعد بعد مستويات ما قبل الأزمات المتتالية التي عرفها الاقتصاد العالمي والمحلي.

في المقابل، يراهن القطاع على عدد من المحركات التي يمكن أن تمنحه دفعة جديدة خلال الأشهر المقبلة، من بينها تسارع الاستثمارات العمومية في البنيات التحتية، والمشاريع المرتبطة بالتحضير للتظاهرات الرياضية الكبرى التي ستحتضنها المملكة، وفي مقدمتها كأس إفريقيا للأمم 2025 وكأس العالم 2030، فضلاً عن برامج توسيع شبكات الطرق والسكك الحديدية والموانئ والمطارات.

وتستند هذه المعطيات إلى الأرقام الداخلية للشركات الأعضاء في الجمعية المهنية لشركات الإسمنت، وهي أسمنت تمارة، وإسمنت الأطلس، وإسمنت المغرب، ولافارج هولسيم المغرب، ونوفاسيم، التي تمثل العمود الفقري لصناعة الإسمنت الوطنية.

وتؤكد المؤشرات الحالية أن سوق الإسمنت بالمغرب يقف عند مفترق طرق؛ فإما أن تتحول الزيادات الشهرية المسجلة إلى منحى تصاعدي مستدام يعكس انتعاشاً حقيقياً لقطاع البناء والعقار، أو أن تظل مجرد تحركات ظرفية مرتبطة بأوراش محددة واستثمارات مؤقتة.

وبين هذا وذاك، يبقى الإسمنت أكثر من مجرد مادة للبناء، بل مرآة تعكس نبض الاقتصاد المغربي ومستوى ثقته في المستقبل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى