الحملات الانتخابية تحت مجهر البيئة.. منشورات الأحزاب تتحول إلى نفايات تلوث شوارع المغرب

الرباط: خالد المعطاوي

مع انطلاق الحملات الانتخابية، عاد الجدل من جديد حول الآثار البيئية التي تخلفها بعض الممارسات المرتبطة بالتواصل السياسي، خاصة الانتشار العشوائي للمنشورات الورقية التي تغزو الشوارع والأحياء وتتحول، في نظر فاعلين بيئيين، إلى مصدر جديد للتلوث وتشويه الفضاء العام.

وحذر ناشطون في المجال البيئي من مخلفات المنشورات الدعائية للأحزاب السياسية، داعين المرشحين وقيادات الحملات الانتخابية إلى تحمل مسؤولية جمع بقايا الأوراق التي يتم توزيعها خلال اللقاءات والمسيرات، وعدم تركها لعمال النظافة الذين يجدون أنفسهم أمام أعباء إضافية نتيجة سلوكيات لا تنسجم مع خطاب المسؤولية والالتزام بالمصلحة العامة.

وأكد الفاعلون البيئيون أن الفاعل السياسي مطالب بأن يكون قدوة في احترام البيئة، خصوصا وأن تدبير الشأن العام يبدأ من احترام أبسط السلوكيات اليومية، معتبرين أن ترك الشوارع مغطاة بالمنشورات الانتخابية يعطي صورة سلبية عن مستوى الوعي البيئي لدى بعض التنظيمات السياسية.

وقال مصطفى بنرامل، رئيس جمعية “المنارات الإيكولوجية من أجل التنمية والمناخ”، إن المغرب يعيش مرحلة متقدمة من التحول الرقمي والتكنولوجي، وهو ما انعكس أيضا على طرق التواصل الانتخابي والوصول إلى الناخبين، غير أن بعض الممارسات التقليدية ما تزال حاضرة، وعلى رأسها التلوث الورقي الناتج عن الحملات في الشوارع والأزقة والأحياء.

وأوضح بنرامل أن المشكل لا يرتبط بمجرد توزيع المنشورات، بل بالطريقة التي يتم بها التعامل معها، حيث تتحول في كثير من الأحيان من وسيلة للتعريف بالبرامج الانتخابية إلى نفايات متناثرة تشوه جمالية المدن والمجالات الحضرية، وتترك انطباعا سلبيا لدى المواطنين خلال فترة يفترض أن تكون مناسبة للتنافس السياسي الراقي.

وأضاف أن بعض الشباب المشاركين في الحملات يعمدون إلى التخلص من كميات كبيرة من الأوراق بمجرد ملاحظة ضعف إقبال المواطنين عليها أو بسبب تجاوز حجم المنشورات القدرة الفعلية على توزيعها، مشيرا إلى أن الظاهرة تبلغ ذروتها خلال نهاية اليوم، خصوصا في الفترة المسائية، حيث تتراكم كميات كبيرة من الأوراق في الشوارع، ما يضاعف من مجهودات عمال النظافة.

ولفت المتحدث ذاته إلى أن هذه الإشكالية لا تقتصر على المدن الكبرى، بل تمتد أيضا إلى المناطق القروية التي تفتقر في عدد من الأحيان إلى وسائل فعالة لجمع النفايات، ما يؤدي إلى تطاير الأوراق داخل الحقول والمجالات الطبيعية، مضيفا أن تحلل الورق بفعل العوامل الطبيعية لا يعني اختفاء آثاره بسرعة، إذ قد يستغرق الأمر عدة أشهر قبل زوال هذه المخلفات بشكل كامل.

وبالإضافة إلى التلوث الورقي، أثار الفاعلون البيئيون أيضا مسألة التلوث الضوضائي الذي يصاحب بعض التجمعات الانتخابية، بسبب الاستعمال المكثف لمكبرات الصوت والموسيقى والأهازيج، معتبرين أن الحق في التعبير السياسي يجب أن يوازن مع احترام راحة المواطنين وجودة الحياة داخل الأحياء السكنية.

من جانبه، اعتبر أيوب كرير، رئيس جمعية “أوكسيجين للبيئة والصحة”، أن البيئة والتنمية المستدامة ما تزال تحظى بحضور محدود داخل عدد من البرامج الانتخابية، رغم أن التحديات البيئية أصبحت من أبرز القضايا التي تواجه المجتمعات الحديثة.

وأوضح كرير أن طريقة تدبير بعض الحملات للمنشورات الانتخابية تكشف عن غياب ثقافة بيئية لدى جزء من الفاعلين السياسيين، مشيرا إلى أن توزيع الأوراق بطريقة عشوائية ورميها في الشوارع يحول مادة دعائية مكلفة ماليا إلى مصدر للنفايات، بدل أن تكون وسيلة تواصل مسؤولة مع الناخبين.

وأضاف أن هذه الممارسات تحمل كلفتين؛ الأولى مالية بسبب هدر الموارد في إنتاج منشورات لا يتم تدبيرها بشكل جيد، والثانية بيئية من خلال تلويث المجال العام وتشويه صورة المدن، مشددا على أن الأحزاب السياسية مطالبة بتقديم نموذج مختلف باعتبارها تستعد لتدبير قضايا المواطنين مستقبلا.

وأشار رئيس جمعية “أوكسيجين للبيئة والصحة” إلى أن الوعي البيئي لا ينبغي أن يظل مجرد شعار ضمن البرامج الانتخابية، بل يجب أن يتحول إلى ممارسة يومية تبدأ من طريقة تنظيم الحملات والتعامل مع الفضاءات العمومية، داعيا إلى تكوين أطر الأحزاب والمرشحين في مجالات التنمية المستدامة والالتزامات البيئية الوطنية والدولية.

وأكد أن بعض التجارب السابقة أظهرت إمكانية تنظيم حملات أكثر احتراما للبيئة من خلال تقليص الاعتماد على الورق واعتماد وسائل تواصل أكثر تنظيما، غير أن استمرار مظاهر التلوث الانتخابي يؤكد الحاجة إلى قواعد أكثر صرامة لمراقبة هذه الممارسات.

ودعا الفاعلون البيئيون إلى اعتماد آليات واضحة لمحاسبة الحملات التي تتسبب في تلويث الشوارع والأحياء، بما في ذلك فرض غرامات أو إلزام الأحزاب والمرشحين بتنظيف الأماكن التي شهدت أنشطتهم الانتخابية، معتبرين أن حماية البيئة مسؤولية جماعية لا تستثني الفاعل السياسي، بل تجعله في مقدمة المطالبين بالالتزام بها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى