
من صوت الناخب إلى مقعد البرلمان.. كيف تصنع قواعد الاقتراع خريطة مجلس النواب المغربي؟
الرباط: المهدي الجرباوي
لا تقتصر العملية الانتخابية على لحظة وضع الناخب لورقته داخل صندوق الاقتراع، بل تبدأ معادلة أكثر تعقيدا بتحويل ملايين الأصوات إلى مقاعد داخل المؤسسة التشريعية، وهي عملية تتحكم فيها قواعد قانونية وتقنية دقيقة تحدد شكل التمثيلية السياسية داخل مجلس النواب.
ويشكل نمط الاقتراع الحلقة الأساسية التي تربط بين إرادة الناخبين والنتائج النهائية، إذ يحدد الطريقة التي يتم بها احتساب الأصوات وتوزيع المقاعد بين اللوائح الانتخابية، وهو ما يجعل النظام الانتخابي عاملا حاسما في رسم ملامح الخريطة البرلمانية.
ويؤطر القانون التنظيمي المتعلق بمجلس النواب مختلف مراحل هذه العملية، انطلاقا من توزيع المقاعد على الدوائر الانتخابية، مرورا بطريقة التصويت واحتساب الأصوات، وصولا إلى تحديد عدد المقاعد التي تحصل عليها كل لائحة وترتيب المترشحين الفائزين داخلها.
ويضم مجلس النواب المغربي 395 مقعدا، ينتخب 305 أعضاء منها على مستوى الدوائر الانتخابية المحلية، بينما يتم انتخاب 90 عضوا عبر الدوائر الانتخابية الجهوية.
وتعتمد الانتخابات التشريعية، كقاعدة عامة، نظام الاقتراع العام المباشر باللائحة، وفق التمثيل النسبي وباعتماد قاعدة أكبر بقية، مع استبعاد التصويت التفاضلي أو إمكانية مزج أسماء مترشحين من لوائح مختلفة.
ويعني هذا النظام أن الناخب لا يختار مرشحا بعينه داخل اللائحة، وإنما يصوت على لائحة كاملة كما قدمها الحزب أو الجهة السياسية، قبل أن توزع المقاعد التي حصلت عليها على المترشحين حسب ترتيب أسمائهم داخلها. وبذلك يصبح ترتيب المرشحين في اللائحة عاملا حاسما في تحديد من سيدخل المؤسسة التشريعية.
ويختلف توزيع المقاعد بين الدوائر الانتخابية المحلية والجهوية، حيث تحدد المقاعد المخصصة لكل دائرة وفق معايير تراعي حجم السكان والتوازن المجالي والتجانس الترابي، بهدف تحقيق نوع من التناسب بين التمثيلية البرلمانية والامتداد الديمغرافي والجغرافي للدوائر.
وفي سياق تطوير الإطار القانوني للانتخابات، جاء القانون التنظيمي رقم 53.25 المعدل والمتمم للقانون التنظيمي رقم 27.11 المتعلق بمجلس النواب، بمجموعة من التعديلات التي همت بعض جوانب الترشيح، دون أن تغير الأساس العام لنظام الاقتراع المعتمد.
ومن بين المستجدات التي حملها هذا التعديل، اعتماد مبدأ أن لوائح الترشيح الخاصة بالدوائر الانتخابية الجهوية تتضمن حصريا أسماء مترشحات، مع الإبقاء على حق النساء في الترشح ضمن الدوائر الانتخابية المحلية، وهو توجه يروم تعزيز حضور المرأة داخل المؤسسة التشريعية عبر آلية انتخابية خاصة.
أما في الجانب المتعلق بحساب النتائج، فيبرز دور القاسم الانتخابي باعتباره أحد المفاتيح الأساسية لتوزيع المقاعد، حيث يتم احتسابه من خلال قسمة عدد الناخبين المقيدين في الدائرة الانتخابية على عدد المقاعد المخصصة لها.
وتحصل كل لائحة على عدد من المقاعد بحسب عدد المرات التي يتضمن فيها مجموع أصواتها هذا القاسم، قبل اللجوء إلى قاعدة أكبر البقايا لتوزيع المقاعد المتبقية.
ويمنح نظام أكبر البقايا فرصة للوائح التي لم تتمكن من بلوغ قاسم انتخابي كامل لكنها تتوفر على بقايا أصوات مرتفعة، وهو ما يجعل الفوارق الصغيرة في عدد الأصوات عاملا مؤثرا في تحديد المقاعد النهائية.
وبعد انتهاء مرحلة توزيع المقاعد، تنتقل العملية إلى ترتيب الفائزين داخل كل لائحة، حيث تسند المقاعد للمترشحين وفق التسلسل الذي قدمت به اللائحة، مع تنظيم حالات شغور المقعد أو تعويض أحد الأعضاء بالمترشحين الذين يلونهم في الترتيب.
كما وضع القانون قواعد لمعالجة الحالات المتساوية، فإذا حصلت لوائح على نفس البقية الانتخابية، يمنح المقعد للمترشح الأصغر سنا من بين المؤهلين، وفي حال استمرار التعادل يتم اللجوء إلى القرعة.
ويختلف هذا النظام في الانتخابات الجزئية، خصوصا عندما يتعلق الأمر بانتخاب عضو واحد، إذ يتم اعتماد الاقتراع بالأغلبية النسبية في دورة واحدة، ما يجعل المنافسة مرتبطة مباشرة بالحصول على أكبر عدد من الأصوات بدل توزيع المقاعد وفق قاعدة التمثيل النسبي.
وبينما تبدو قواعد الاقتراع تقنية ومحايدة في ظاهرها، فإن تفاصيلها الدقيقة، من طريقة احتساب القاسم الانتخابي إلى توزيع المقاعد بين اللوائح، تظل عاملا مؤثرا في شكل التمثيلية السياسية داخل البرلمان، لأنها تحدد كيف تتحول أصوات المواطنين المتفرقة إلى قوة انتخابية ومقاعد تشريعية.





