
“حين تتحول المصلحة الخاصة إلى تهديد عام: احتجاج أرباب سيارات الإسعاف الخاصة بأكادير يثير جدلاً أخلاقياً وقانونياً”

آكادير: إستثمار
في مشهد غير مألوف يعكس توتراً متزايداً بين القطاعين العام والخاص في مجال الخدمات الصحية، نظّم عدد من أرباب سيارات الإسعاف الخاصة بأكادير وقفة احتجاجية، يوم الخميس 17 أبريل الجاري، أمام الثكنة التابعة للوقاية المدنية، مطالبين بمنع عناصر هذه الأخيرة من نقل المرضى والمصابين إلى المستشفيات.
هذا الاحتجاج الذي وُصف بـ”السريالي” من قبل عدد من المتتبعين، أعاد طرح أسئلة ملحة حول حدود المنافسة بين القطاعين، ومتى تتحول المطالب المهنية إلى تهديد صريح للمصلحة العامة.
فالوقوف ضد أداء مؤسسة رسمية ذات بعد إنساني، كالوقاية المدنية، يضع المحتجين في موقع لا يُحسدون عليه من حيث الأخلاق والقانون، خصوصاً عندما يكون الرهان هو حياة الإنسان وسلامته.
الصور الملتقطة لسيارات الإسعاف الخاصة وهي مصطفة أمام مؤسسة أمنية حساسة، لم تكن مجرد توثيق لحركة احتجاجية، بل شهادة على ما قد تُفضي إليه النزعة التجارية حين تفقد بوصلتها الأخلاقية.
فبدل أن يكون التنافس محفزاً على تجويد الخدمات، انزلق نحو محاولة إقصاء فاعل عمومي محوري في منظومة الإنقاذ والطوارئ.
تحليل هذا الحدث يكشف خللاً بنيوياً في فهم بعض الفاعلين الخواص لدور الدولة ومؤسساتها، ويبرز رغبة كامنة في تحويل كل الخدمات، بما فيها الحيوية منها، إلى سوق مفتوحة تخضع فقط لمنطق الربح والخسارة.
لكن أخطر ما في الأمر، هو أن هذه الخطوة كسرت أحد أهم الخطوط الحمراء: الطعن في شرعية تدخل الدولة في حماية أرواح مواطنيها.
إن ما وقع بأكادير لا يمكن عزله عن سياق أوسع يتميز بتصاعد نزعة الخوصصة في القطاعات الاجتماعية، دون ضوابط تضمن أولوية المصلحة العامة. وهو ما يستدعي من الجهات الوصية وقفة حازمة، ليس فقط لضبط التجاوزات، بل لإعادة ترسيم الحدود بين ما هو مهني مشروع، وما هو انتهاك فاضح لمبادئ الإنقاذ والتضامن.
وفي انتظار ذلك، تبقى الواقعة مرآة تعكس إلى أي حد قد تصل الأنانية المهنية حين تُفضّل منافع فردية على حساب أرواح الناس.
وفي انتظار تدخل حاسم من الجهات المسؤولة، تبقى هذه الأزمة مفتوحة على كل الاحتمالات، ما لم تُبادر السلطات المختصة إلى اتخاذ إجراءات واضحة تضع حداً لهذا التداخل غير المشروع بين المصلحة الخاصة والمرفق العام.
فحماية الحق في الإنقاذ ليست فقط مسؤولية قانونية، بل واجب أخلاقي يفرض نفسه في وجه أي محاولة لاحتكار خدمات تمس حياة المواطنين وأمنهم الصحي.





