الموارد الطبيعية بين فوضى الاستغلال وضعف الرقابة: هل تفشل منظومة التراخيص في حماية ثروات المغرب؟

الرباط: إستثمار

تمثل الموارد الطبيعية لا سيما المياه والمقالع أحد الأعمدة الحيوية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية في المغرب. غير أن تقرير المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي حول “آليات منح التراخيص ومراقبة استغلال الموارد الطبيعية” يكشف عن اختلالات جوهرية في التدبير والتقنين، تهدد استدامة هذه الموارد وتُضعف الثقة في الحكامة العمومية.

أولاً: وفرة النصوص… وغياب التطبيق الفعّال

رغم اعتماد قوانين مؤطرة كقانون الماء 36.15 وقانون المقالع 27.13، فإن الفجوة بين النص القانوني والتطبيق العملي ما تزال واسعة. فحوالي 68.38% من المشاركين في استطلاع المجلس اعتبروا أن مساطر منح وسحب التراخيص تفتقر إلى الشفافية والإنصاف، في ظل انعدام مراقبة فعّالة وتعقيد الإجراءات.

ثانياً: أرقام تكشف حجم التراخي

التقرير يورد أرقاماً صادمة بشأن ضعف آليات المراقبة. فعلى سبيل المثال:

58.33% من المشاركين يرون أن فعالية مساطر التراخيص والمراقبة “غير فعّالة نسبيًا”.

فقط 8.33% اعتبروها فعالة جدًا، ما يبرز فجوة خطيرة بين الأطر القانونية والواقع الميداني.

تراكم كبير في مستحقات الأتاوات الناتجة عن استغلال موارد المياه، ما يدل على خلل في نظام التحصيل المالي.

استمرار الحفر غير القانوني للآبار واستغلال المياه بطرق غير مشروعة، في ظل ضعف التتبع الرقمي والمراقبة التقنية.

ثالثاً: المقالع نموذجاً للفوضى

رغم التعديلات التشريعية، لا تزال المقالع من أكثر المجالات عرضة للفوضى، حيث تحولت إلى مجال استثماري محكوم بالمضاربات، بدل أن يُؤطرها منطق التنمية المستدامة. ويلاحظ التقرير أن الاستغلال غير المرخّص، وتوسيع الاستغلال خارج الحدود المسموح بها، وانتهاك شروط التراخيص، صارت ممارسات شبه معتادة.

رابعاً: توصيات في حاجة إلى إرادة سياسية

دعا المجلس إلى:

تفعيل الرقمنة الشاملة لتتبع التراخيص والعمليات الميدانية.

إشراك الجماعات الترابية في منح التراخيص والمراقبة.

مراجعة الرسوم والتعريفات المالية بما يضمن العدالة والفعالية في التحصيل.

تعزيز الشفافية عبر نشر البيانات المتعلقة بالتراخيص والرقابة بانتظام.

إن استمرار الوضع الراهن لا يهدد فقط الموارد الطبيعية بل يفتح المجال أمام اقتصاد الريع والفساد المؤسسي ويقوض ثقة المواطن في الإدارة العمومية. أمام ذلك، تظل الضرورة ملحّة لإحداث قطيعة مع المنظومة التقليدية القائمة على التراخي، والانتقال إلى نموذج حوكمة بيئية شفاف، رقمي، ومبني على العدالة المجالية والصرامة في مراقبة الثروات الوطنية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى