
أراضي الدولة في المزاد الخفي: كيف حوّل منتخبون وموظفون التجزئات إلى بورصة سوداء
الرباط: ناريمان بنمسعود
تسارعت وتيرة التقارير المرفوعة من أقسام “الشؤون الداخلية” إلى الإدارة المركزية، لتدق ناقوس الخطر حول ممارسات مشبوهة تجري في قلب المجالس الجماعية والدوائر الإدارية بجهات الدار البيضاء-سطات، والرباط-سلا-القنيطرة،
وطنجة-تطوان-الحسيمة. فالقضية ليست مجرد مخالفات معزولة، بل شبكة متشابكة من مستشارين ومنتخبين وموظفين تورطوا في مضاربات عقارية بملايين الدراهم، داخل تجزئات تقع في مناطق نفوذهم.
المعطيات تكشف عن عمليات حجز مساحات شاسعة، تجاوز بعضها 120 هكتاراً، وُزعت على مراحل لصالح حلفاء سياسيين وأقارب، قبل إعادة بيعها عبر “التنازل” الذي يخفي وراءه عمليات تملص ضريبي ممنهجة. الوسطاء لعبوا دور الغطاء، بينما وثائق الموثقين أضفت على الصفقات مظهراً قانونياً يخفي حقيقتها الملتوية.
أخطر ما في الملف أن بعض هذه المضاربات تم رصده في مواقع حساسة، مثل الملحقة الإدارية الثانية بجماعة الدروة بإقليم برشيد حيث تستعد السلطات لإيفاد لجنة بحث إدارية، ما يوحي بأن القضية قد تكون رأس جبل الجليد فقط.
التحقيقات الضريبية كشفت جانباً مظلماً آخر: آلاف البقع المحجوزة وغير المبنية، تلاعبات في التصريحات الضريبية، وعمليات بيع جرت خارج الحسابات البنكية للشركات العقارية. بل إن بعض المضاربين جنوا أرباحاً تفوق أرباح المنعشين العقاريين أنفسهم، بفضل حجز مسبق مقابل 3% من قيمة العقار، ثم التنازل عنه مقابل مبالغ مضاعفة… وكل ذلك خارج أي إطار جبائي.
الأمر لم يتوقف عند هذا الحد، فهناك مجزئون-مضاربون يشترون مباشرة أراضٍ فلاحية وبقعاً في تجزئات سكنية عبر شركات مدنية عقارية صورية، بهدف المضاربة في عقود الشراء لفائدة أطراف أخرى، وتحقيق عمولات ضخمة، في غياب أي مراقبة حقيقية.
القضية تكشف خللاً هيكلياً في منظومة تدبير العقار، حيث تلتقي السلطة المحلية والمصالح المنتخبة مع مصالح خاصة، لتشكيل سوق سوداء للعقار في وضح النهار، محمية بالقانون على الورق، لكنها خارجة عن القانون في الجوهر. ومع غياب المحاسبة الصارمة، يظل السؤال مفتوحاً: من يحمي المال العقاري العام من “شناقة” السياسة والإدارة؟




