
من نفط كاراكاس إلى فوضى العالم: حين تختطف واشنطن النظام الدولي
الرباط: الدكتور أحمد وعمان
لم يكن تصريح دونالد ترامب حول “ضرورة استسلام” نيكولاس مادورو زلة لسان عابرة، بل اعترافًا صريحًا بجوهر السلوك الأميركي: النفط أولًا، والسيادة آخر ما يُحسب. حادثة اختطاف الرئيس الفنزويلي من قلب كاراكاس لم تُخفِ أهدافها، إذ بدت كحلقة فجة في صراع قديم يتجدد، عنوانه كسر إرادة نظام يرفض فتح خزائن أكبر احتياطي نفطي في العالم أمام الشركات الأميركية، ويصر على مواصلة خط هوغو شافيز المناهض للهيمنة.
مادورو، رغم الحصار والضغوط ومحاولات تنصيبه البديل خوان غوايدو، ظل عقبة سياسية في وجه واشنطن، لا بسبب “الديمقراطية” أو “حقوق الإنسان”، بل لأنه أغلق الباب أمام السيطرة المباشرة على النفط الفنزويلي، وفتح في المقابل نوافذ واسعة أمام الصين وروسيا وإيران. ومع تصاعد الحضور الصيني في سوق النفط الفنزويلي، تحوّل القلق الأميركي إلى استعجال، واستُدعيت تهم جاهزة من نوع “الإرهاب” و”المخدرات”، رغم أن تقارير أممية وأميركية لا تضع فنزويلا في قلب مسارات الكوكايين نحو الولايات المتحدة.
الخطير في ما جرى لا يقتصر على فنزويلا، بل يتعداه إلى ضرب فكرة النظام الدولي نفسها. فإذا كانت دولة تتصدر خطاب “حماية القانون الدولي” تختطف رئيسًا منتخبًا لدولة عضو في الأمم المتحدة، فما الذي يمنع قوى أخرى من تكرار السيناريو ذاته في أوكرانيا أو تايوان أو غيرهما؟ هنا يتحول القانون الدولي إلى أداة انتقائية، يُستدعى حين يخدم المصالح ويُدهس حين يعيقها.
هذا السلوك يفتح الباب أمام فوضى جيوسياسية واسعة: اضطراب في أميركا اللاتينية، تسابق محاور، تمدد شبكات الجريمة، موجات هجرة جديدة، وقلق متزايد لدى دول باتت ترى في “التدخل الوقائي” الأميركي تهديدًا مباشرًا لاستقرارها. وفي ظل اقتصاد عالمي هش، فإن أي اهتزاز في دول بحجم فنزويلا أو البرازيل لا يبقى محليًا، بل يرتد دوليًا.
أما الشرق الأوسط، فلا يبدو بمنأى عن هذا المنطق. ما جرى في غزة، والانحياز الأميركي المطلق لإسرائيل، ثم فنزويلا، كلها إشارات على تراجع العدالة الدولية، وتشجيع قوى إقليمية، وفي مقدمتها إسرائيل، على الذهاب أبعد في فرض الوقائع بالقوة، من إيران إلى لبنان وسوريا. حين تصبح القوة هي المرجعية، تُعاد كتابة الخرائط، وتُصاغ التحالفات من فوهة السلاح.
اختطاف مادورو ليس حدثًا معزولًا، بل إنذار مبكر بعالم يدخل مرحلة ما بعد القواعد، حيث تُدار السياسة بمنطق الغنيمة لا الشرعية. والسؤال لم يعد ماذا تريد واشنطن من فنزويلا، بل من سيكون التالي في زمن “أميركا أولًا” حين تتحول السيادة إلى تفصيل، والنفط إلى مبرر، والفوضى إلى أداة حكم.





