
هل انكسر مشروع وهبي أم انحنى مؤقتا؟ عودة المحامين تفتح باب الأسئلة الثقيلة
الرباط: إدريس بنمسعود
عودة المحامين إلى المحاكم ابتداء من يوم الإثنين لا تعني بالضرورة نهاية الأزمة، بقدر ما تكشف عن انتقالها من الشارع المهني إلى طاولة التفاوض.
فقرار استئناف العمل بعد أسابيع من الاحتجاج والتصعيد ضد مشروع قانون المهنة الذي تقدمت به وزارة العدل، يطرح سؤالا جوهريا: هل تم فعلا سحب الملف من وزير العدل عبد اللطيف وهبي، أم أن الأمر لا يعدو أن يكون إعادة ترتيب للأوراق تحت إشراف رئاسة الحكومة؟
المعطيات المتداولة تشير إلى أن اجتماعا عقد بدعوة من رئيس جمعية هيئات المحامين بالمغرب، أعقب لقاء جمعه برئيس الحكومة، انتهى إلى قبول مبدئي بوقف الاحتجاج والعودة إلى قاعات المحاكم. غير أن هذا “الانفراج” المشروط لم يقترن بأي إعلان رسمي عن سحب مشروع القانون من مساره التشريعي أو تجميده بشكل واضح، بل تم الحديث عن إحداث لجنة مشتركة برئاسة الحكومة لتدارس الملاحظات والتعديلات المقترحة قبل عرضه على البرلمان خلال دورة أبريل المقبلة.
من الناحية السياسية، يبدو أن الحكومة اختارت امتصاص غضب الجسم المهني عبر فتح قناة تفاوض مباشرة، في خطوة يمكن قراءتها كتحويل للملف من تدبير قطاعي تقوده وزارة العدل إلى مقاربة أكثر احتواء يقودها رئيس الحكومة شخصيا. غير أن هذا التحول لا يعني بالضرورة سحب الثقة من الوزير أو التراجع عن فلسفة المشروع، بقدر ما يعكس إدراكا لكلفة استمرار “البلوكاج القضائي” الذي أربك سير العدالة وأثر على مصالح المتقاضين.
الاحتجاج الذي خاضته هيئات المحامين لم يكن تقنيا فحسب، بل اتخذ بعدا رمزيا مرتبطا باستقلالية المهنة ومكانتها الدستورية. تصريحات رئيس الجمعية التي شددت على وحدة الصف المهني ورفض أي تشكيك في انسجام الهيئات السبع عشرة، عكست وعيا بأن المعركة تتجاوز نصوصا قانونية إلى الدفاع عن التوازنات داخل منظومة العدالة. لذلك فإن العودة إلى العمل لا يمكن فهمها كتنازل، بل كخطوة تكتيكية في مسار تفاوضي مفتوح.
في المقابل، تجد الحكومة نفسها أمام معادلة دقيقة: فهي مطالبة بإصلاح المنظومة القانونية وتحيينها، لكنها مطالبة أيضا بالحفاظ على استقرار مرفق العدالة وتفادي صدام مفتوح مع فاعل مركزي داخلها. إحداث لجنة مشتركة قد يشكل مخرجا توافقيا إذا ما أفضى إلى تعديلات جوهرية تستجيب للهواجس المهنية، لكنه قد يتحول إلى مجرد آلية لربح الوقت إن لم يقترن بإرادة سياسية واضحة لإعادة النظر في المقتضيات المثيرة للجدل.
وعليه، لا يمكن الجزم بأن مشروع القانون قد سُحب من وهبي أو من مساره التشريعي، بل الأرجح أنه دخل مرحلة “إعادة التفاوض” تحت إشراف أعلى. الفارق بين السحب والتجميد هنا ليس تقنيا فقط، بل سياسي أيضا: فالسحب اعتراف ضمني بفشل المقاربة الأولى، أما التجميد أو الإحالة على لجنة فهو محاولة لإعادة صياغة التوازن دون خسارة ماء الوجه.
الأيام المقبلة، وخاصة اللقاء المرتقب برئاسة الحكومة، ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كان الأمر يتعلق بتنازل حكومي حقيقي أم بإعادة توزيع للأدوار داخل الأغلبية. وبين هذا وذاك، يبقى الرهان الأكبر هو ضمان إصلاح تشريعي يحقق تحديث المهنة دون المس باستقلاليتها، ويحفظ في الوقت نفسه استمرارية العدالة باعتبارها خدمة عمومية لا تحتمل التعطيل الطويل.





