
المغرب خارج دائرة الدول الأكثر سعادة محتلاً المرتبة 112 عالميا
الرباط: نارمان بنمسعود
يكشف تقرير السعادة العالمي، الصادر بإشراف الأمم المتحدة اعتماداً على بيانات مؤسسة غالوب، عن مفارقة لافتة في ترتيب الدول بين من يراكم الثروة ومن ينجح في تحويلها إلى رفاه نفسي واجتماعي. في هذا السياق، يظل المغرب خارج دائرة الدول الأكثر سعادة، محتلاً المرتبة 112 عالمياً، و11 إقليمياً، وهو موقع يعكس تبايناً واضحاً بين مسارات التنمية الاقتصادية ومخرجاتها الاجتماعية مقارنة بدول أخرى في المنطقة والعالم.
على المستوى الإقليمي، تتصدر الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية قائمة الدول العربية الأكثر سعادة، مستفيدتين من مزيج من الوفرة الاقتصادية وسياسات اجتماعية أكثر دينامية، بينما تواصل دول مثل الكويت والبحرين وعُمان الحفاظ على مواقع متقدمة نسبياً. في المقابل، يبدو المغرب أقرب إلى نموذج “الاستقرار دون إقلاع نوعي”، حيث لا يزال عاجزاً عن ترجمة تحسناته الاقتصادية إلى شعور عام بالرضا.
أما عالمياً، فتكرس دول الشمال الأوروبي، وعلى رأسها فنلندا وآيسلندا والدنمارك، نموذجاً مغايراً يقوم على التوازن بين الرفاه الاقتصادي والعدالة الاجتماعية والثقة في المؤسسات، وهو ما يفسر تصدرها المتكرر للمؤشر. هذا النموذج لا يعتمد فقط على الناتج الداخلي، بل على قوة الروابط الاجتماعية وجودة الحياة اليومية، وهي عناصر لا تزال تشكل نقطة ضعف في الحالة المغربية.
داخلياً، يعكس معدل 4.646 من 10 نوعاً من “الاستقرار الهش”، حيث يظل الناتج المحلي للفرد المحدد الأول لمستوى الرضا، متبوعاً بعامل الحرية، لكن هذه العوامل تظل غير كافية لتعويض ضعف مؤشرات أخرى أكثر ارتباطاً بالنسيج الاجتماعي. فالمغرب يسجل تأخراً حاداً في الدعم الاجتماعي والكرم، ما يكشف خللاً في منظومة التضامن، سواء على المستوى المؤسساتي أو المجتمعي.
الأكثر دلالة هو التحول في المزاج العام، إذ يشير التقرير إلى تراجع تدريجي في المشاعر الإيجابية مقابل تصاعد السلبية منذ 2010، في منحى يقترب من نقطة تقاطع مقلقة. هذا التحول لا يمكن فصله عن اتساع الفوارق الاجتماعية، حيث يسجل مؤشر عدم المساواة منحى تصاعدياً مستمراً، ما يعمق الإحساس بعدم الإنصاف ويؤثر مباشرة على إدراك الأفراد لجودة حياتهم.
ورغم ذلك، تبرز مفارقة مغربية لافتة: فبينما تتراجع أشكال العطاء المنظم كالتبرع والعمل التطوعي، يظل سلوك “مساعدة الغرباء” حاضراً بقوة، ما يعكس بقاء قيم التضامن التقليدية خارج الأطر المؤسساتية. غير أن هذا الرصيد القيمي، رغم أهميته، لم يعد كافياً لتعويض اختلالات أعمق تتطلب سياسات عمومية أكثر شمولاً.
في المحصلة، تكشف المقارنة أن الرهان لم يعد اقتصادياً صرفاً، بل هو رهان مركب يجمع بين النمو والعدالة والثقة. فبين نموذج شمالي يربط السعادة بجودة الحياة، ونموذج إقليمي يستثمر في الرفاه الاجتماعي، يقف المغرب أمام مفترق طرق: إما الاستمرار في تحسين المؤشرات الكمية، أو الانتقال إلى مرحلة تعيد بناء الإنسان كمحور حقيقي للتنمية.





