
“بعد فرحة العيد… صدمة الساعة المشؤومة!
لماذا تتحول الساعة الزائدة إلى عبء نفسي واجتماعي على المغاربة؟”
الرباط: إستثمار
مع كل نهاية لشهر رمضان وعطلة العيد، يعود الجدل في المغرب بنفس الحدة، وكأن الزمن نفسه يرفض الاستقرار. فبمجرد إضافة ستين دقيقة والرجوع إلى التوقيت الصيفي (GMT+1)، لا يشعر المواطن فقط بتغيير رقمي في الساعة، بل بارتباك عميق في إيقاع حياته اليومية. هذا التحول، الذي تم اعتماده رسمياً منذ سنوات، يتحول في كل مرة إلى اختبار جماعي للقدرة على التكيف، لكنه اختبار يفشل فيه كثيرون، خاصة الأطفال والتلاميذ وأسرهم.
العودة إلى الساعة الإضافية ليست مجرد إجراء تقني، بل هي صدمة زمنية تمس ما يُعرف بالساعة البيولوجية للإنسان. فالجسم البشري، بطبيعته، يحتاج إلى انتظام في النوم والاستيقاظ، وأي تغيير مفاجئ في هذا النظام يؤدي إلى اضطرابات متعددة. وقد أكدت عدة تقارير أن هذا التحول يتسبب في الأرق والإجهاد وضعف التركيز، وهي أعراض تظهر بشكل أوضح لدى التلاميذ الذين يجدون أنفسهم مطالبين بالاستيقاظ في الظلام والالتحاق بالفصول الدراسية دون استعداد نفسي كافٍ.
في هذا السياق، يتحول الطفل إلى أول ضحية غير معلنة لهذا القرار. فبدل أن يكون في حالة استعداد ذهني للتعلم، يدخل القسم وهو يعاني من اضطراب في النوم ونقص في التركيز، ما ينعكس مباشرة على مردوده الدراسي. وقد أشار منتقدو الساعة الإضافية إلى أنها تضعف جودة التعلم وتشوش قدرة التلاميذ على الاستيعاب، مما يجعل المدرسة نفسها فضاءً للإرهاق بدل التحفيز.
ولا يقف التأثير عند حدود التلاميذ، بل يمتد إلى الأسر التي تجد نفسها أمام ضغط يومي مضاعف. الآباء والأمهات مطالبون بإعادة تنظيم جداولهم الزمنية بشكل مفاجئ، في ظل صعوبة إيقاظ الأطفال في ساعات مبكرة، وما يرافق ذلك من توتر صباحي يؤثر على الجو الأسري. وهنا تتحول الساعة الإضافية من مجرد قرار إداري إلى عنصر يربك التوازن العائلي ويؤثر على الاستقرار الاجتماعي.
أما في الإدارات العمومية، فإن المفارقة تصبح أكثر وضوحاً. فبينما يُفترض أن يساهم هذا التوقيت في رفع الإنتاجية، يلاحظ أن الأيام الأولى بعد تغييره تشهد نوعاً من التباطؤ في الأداء، نتيجة عدم تأقلم الموظفين مع الإيقاع الجديد. ويؤكد منتقدو هذا النظام أن تأثيره السلبي لا يقتصر على الجانب النفسي، بل يمتد إلى المردودية المهنية التي تتراجع بفعل الإرهاق وقلة التركيز.
ورغم تبرير الحكومة لهذا الاختيار بضرورات اقتصادية، أبرزها ترشيد استهلاك الطاقة وتعزيز التوافق مع الشركاء الدوليين، فإن هذه الحجج تبدو، في نظر شريحة واسعة من المغاربة، غير كافية أمام الكلفة الاجتماعية والنفسية التي يدفعها المواطن يومياً. فالتنمية لا تُقاس فقط بالأرقام الاقتصادية، بل أيضاً بجودة حياة الأفراد واستقرارهم النفسي.
هذا التوتر المستمر بين القرار الرسمي والرفض الشعبي تجسد بشكل واضح في العرائض الإلكترونية التي عرفت إقبالاً لافتاً، حيث تجاوز عدد الموقعين على مطلب إلغاء الساعة الإضافية عشرات الآلاف، بل وتخطى سقف 100 ألف توقيع في ظرف وجيز.
هذا الرقم ليس مجرد معطى رقمي، بل مؤشر على حجم الاحتقان المجتمعي، وعلى وجود فجوة بين السياسات العمومية وانتظارات المواطنين.
صوت المغرب.
وفي خضم هذا الجدل، عاد إلى الواجهة مطلب رفع ملتمس شعبي من أجل تدخل ملكي، باعتبار المؤسسة الملكية ضامناً للتوازن بين القرارات الاستراتيجية ومصلحة المواطنين اليومية. هذا التوجه يعكس، في عمقه، فقدان الثقة في قدرة السياسات الحالية على تحقيق هذا التوازن، ويفتح النقاش حول حدود القرار التقني عندما يصطدم بالواقع الاجتماعي.
في النهاية، يبدو أن إشكالية الساعة الإضافية في المغرب لم تعد مجرد نقاش موسمي، بل تحولت إلى قضية مجتمعية مركبة، تتداخل فيها أبعاد نفسية وتربوية واقتصادية. وبين من يرى فيها ضرورة تنظيمية، ومن يعتبرها عبئاً يومياً، يبقى السؤال معلقاً: هل يمكن لساعة واحدة أن تختصر كل هذا الجدل؟ أم أن المشكلة أعمق من مجرد عقارب تتحرك إلى الأمام؟





